00:00:00
توقيت بغداد
2026مايو24
الأحد
12 °C
بغداد، 12°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

بقلم: علي مفيد - ماجستير علاقات دولية

الشرق الأوسط الجديد: من يصرخ أولاً في لعبة كسر العظم الاستراتيجية

في صراع الإرادات الذي يشهده الشرق الأوسط اليوم، يبرز المصطلح الشعبي "من يقل آخ أولاً" كقاعدة ذهبية للفوز في المعارك الصفرية. لكن هذه المواجهة الراهنة ليست وليدة اللحظة، بل هي نتاج سنوات من التخطيط، الغدر، والمناورات الاستراتيجية الخلفية التي أعادت رسم خارطة المنطقة من دمشق إلى بغداد وصولاً إلى طهران.

سقوط "الهلال الشيعي": الغدر والبديل الجاهز

بدأت ملامح المواجهة الحالية بتفكيك خط الدفاع الأول للجمهورية الإسلامية؛ فسقوط نظام الأسد في سوريا لم يكن حدثاً عابراً أو عفوياً، بل كان "الضربة الأقوى" لروسيا (المتواجدة بقواعدها وعلاقاتها منذ 2015) ولإيران على حد سواء. لقد كشفت الكواليس أن السفير الأمريكي الأسبق روبرت فورد كان يشرف شخصياً على تدريب وتأهيل أحمد الشرع (أبو محمد الجولاني) في مدينة إدلب ليكون البديل الجاهز، في وقت كان فيه الأسد وحلفاؤه في غفلة تامة عن هذا الاختراق العميق. هذا السقوط أدى لتمزق "الهلال الشيعي" الذي هندسه الفريق قاسم سليماني قبل اغتياله في يناير 2020، والذي كان يمثل حائط الصد المنيع بوجه الإرهاب والمخططات الدولية وحامياً لخطوط المقاومة والحدود العراقية.

وفي العراق، كانت ثورة تشرين 2019 هي شرارة البدء؛ حيث أدت لاستقالة حكومة عادل عبد المهدي والمجيء بحكومة اعتبرت قريبة من واشنطن (وبدعم صريح أثبتته تصريحات وزير الخارجية الأمريكي في حينها مايك بومبيو)، مما فتح الأجواء العراقية للطيران الإسرائيلي لاستهداف العمق الإيراني، وأدخل الساحة في اقتتال "شيعي-شيعي" استنزف القوى الحليفة لطهران وأبعدها عن دورها الإقليمي.

الواقعية الإيرانية مقابل "غدر رمضان"

لقد كانت القيادة الإيرانية "واقعية" وصريحة جداً قبل اندلاع الحرب الأخيرة؛ إذ حذرت مراراً على لسان قياداتها البارزة من أن أي اعتداء أمريكي جديد سيقابله رد مختلف يؤدي إلى حرب مفتوحة تشمل المصالح والقواعد الأمريكية في الخليج وإغلاق مضيق هرمز. وفعلاً، عندما غدرت واشنطن بمسار المفاوضات التي كانت تسير بشكل طبيعي (عبر كوشنير وويتكوف من الجانب الأمريكي، وعباس عراقجي من الجانب الإيراني برعاية عُمانية) وسمحت لإسرائيل بشن هجوم عسكري استهدف منزل المرشد الأعلى وأسرته، نفذت إيران وعيدها بدقة وتفاجأ الجميع بردها المكثف اليومي بالصواريخ والمسيرات وتفعيل قرار إغلاق المضيق.

هذا الرد الاستراتيجي وضع إدارة ترامب في حرج دولي داخلي وخارجي خانق، خاصة مع تعالي أصوات كتاب النخبة في الولايات المتحدة مثل جون ميرشايمر وجيفري ساكس، اللذين وجها انتقادات لاذعة لترامب واعتبرا أن نتنياهو هو من ورطه في معركة استنزاف لا يمكن حسمها، ينضم إليهم في هذا التحليل أقطاب الواقعية السياسية مثل ستيفن والت الذين يرون في سلوك واشنطن انتحاراً استراتيجياً وسط أمواج الخليج.

صراع الرؤى: واشنطن "تُسقط" وتل أبيب "تُقسم"

وهنا يبرز شرخ جوهري في الأهداف الكبرى بين الحليفين:

 الإدارة الأمريكية: تسعى عبر تكتيك "الضغوط القصوى" والحصار إلى إسقاط النظام الإيراني أو تركيع بنيته السياسية لفرض شروطها الشاملة.

 الكيان الصهيوني: يذهب أبعد من ذلك؛ فهو لا يكتفي بإسقاط النظام، بل يريد "تقسيم" الجغرافيا الإيرانية وتفتيتها إلى دويلات متناحرة، تماماً كما خطط ونفذ في سوريا وبلدان أخرى يراها تهديداً لوجوده وتمدده، لضمان إنهاء أي خطر قادم من الشرق كلياً.

توم باراك: مهندس "اللاسلم واللاحرب"

مع فشل المبعوث الأمريكي السابق "سافيا" في الملف العراقي، دخل الملياردير والمقرب من ترامب توم باراك الميدان ليرمم الفشل الأمريكي الإقليمي، متبنياً نظرية "إدارة الفوضى". باراك لا يبحث عن حلول حاسمة، بل يسعى لإبقاء المنطقة في حالة "لاسلم ولاحرب" ممتدة:

 في بلاد الشام: يقود مشروع "محور الاستقرار" (الذي يضم فلسطين، سوريا الجديدة، لبنان، والأردن) لعزل إيران تماماً عن البحر المتوسط.

 في الملف العراقي مؤخراً: يتدخل باراك بقوة لخلق فوضى سياسية عارمة تمنع تنصيب أو تحرك أي سلطة قادرة على مد يد العون لطهران، لضمان عزل إيران تماماً عن رئتها الاقتصادية واللوجستية العراقية حتى يتم الانتهاء من ملفها.

الخاتمة: الرهان على الانشقاق أو الانهيار العالمي

دخل الصراع اليوم مرحلة "عض الأصابع" النهائية بانتظار من يصرخ أولاً:

واشنطن: تراهن على حصارها البحري الصارم ليس لتحريك الشارع الذي فشلت رهانات تحريكه سابقاً، بل لإحداث أمر من اثنين: إما صراع سياسي داخلي يقبل بالتفاوض لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، أو ـ وهو الأهم والأخطر لأمريكا وإسرائيل ـ إحداث انشقاق وتصدع داخل منظومة الحرس الثوري باعتباره مركز قوة وتماسك النظام.

طهران: تراهن في المقابل على ورقتها الذهبية المتمثلة في خنق الاقتصاد العالمي عبر مضيق هرمز، وهي تدفع دول العالم للضغط على ترامب لعقد صفقة تضمن مصالحها، مستغلة رفض حلف الناتو لمساعدة واشنطن بسبب غدر ترامب بحلفائه سابقاً في حرب أوكرانيا ومحاولته فرض الشروط عليهم.

إن توم باراك وإدارة ترامب يسيرون اليوم في حقل ألغام؛ فإدارة الفوضى سلاح ذو حدين، وفي معركة "عض الأصابع"، من يملك النَفَس الأطول والقدرة على تحمل الألم دون أن ينطق بكلمة "آخ" هو من سيكتب السطر الأخير في كتاب الشرق الأوسط الجديد.

 

Comments