00:00:00
توقيت بغداد
2026مايو26
الثلاثاء
12 °C
بغداد، 12°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

حماد جيلاني - معهد الرؤية الاستراتيجية (SVI)

اجتماع بوتين وشي: تحالف استراتيجي أم عدم ثقة مُوجَّه؟

وصل رئيس روسيا، فلاديمير بوتين، إلى بكين في 20 مايو 2026، في زيارة رفيعة المستوى تأتي مباشرة بعد الاجتماع الذي جمع بين ترامب وشي (G2). ويكشف التحليل الدقيق للاجتماع بين الشريكين الشرقيين عن حقيقة واحدة: تم الحفاظ على المظاهر الاحتفالية بأعلى مستوى، لكن الشكوك ظلت قائمة خلف المصافحات. لقد برعت جمهورية الصين الشعبية منذ اليوم الأول في فن إدارة المظاهر والشكليات، ولم يكن هذا الاجتماع استثناءً.

لقد جرى الجدولة المتعمدة للاجتماع بين الرئيسين بوتين وشي في يوم 20 مايو؛ وذلك لأن تاريخ 20 مايو (رقمياً 5/20) يُعتبر بمثابة "عيد الحب" في الصين. فالأرقام (520) تنطق بالصينية بشكل يشبه جداً عبارة "wǒ ài nǐ"، والتي تعني "أنا أحبك". ومع ذلك، وبعيداً عن هذا الجانب، فإن ما تضمنه الاجتماع فعلياً يروي قصة مختلفة تماماً؛ إذ يبدو أن العجلات الفارغة كانت الأكثر ضجيجاً.

لماذا كان بوتين في الصين؟

ببساطة، لم يكن الرئيس بوتين في بكين لمناقشة طفرات أو إنفراجات كبرى بشأن أوكرانيا أو إيران. فاعتباراً من اليوم، تبدو روسيا أضعف من أن تتدخل في هذه الملفات بشكل استباقي. لقد كان هناك في الواقع ليعود إلى بلاده باتفاقية كبرى بشأن خط أنابيب الغاز المشترك بين الصين وروسيا. كان هناك لإبرام اتفاقيات مع جمهورية الصين الشعبية لتصدير منتجات الطاقة الروسية التي رفضت أوروبا شراءها.

كان هناك لاسترضاء "شي" وجعله يستشعر قيمة صداقتهما الممتدة لعقود ولتوجيه الانتقادات للغرب. لكن كل ذلك ذهب سدى؛ فلم تبرم أي صفقة كبرى، ولم تصدر أي تصريحات جديدة أو أكثر حدة. وهذا لا يثبت سوى شيء واحد: الصين باتت تعتبر روسيا الآن شريكاً أصغر (تابعاً) يمكنها توجيهه والتحكم به متى شاءت.

ماذا حدث في بكين؟

لفهم النتيجة الفعلية للاجتماع، يتعين علينا تحليل ما جرى خلف الكواليس. وقعت الصين وروسيا تقريباً أكثر من 20 اتفاقية تشمل مجالات التجارة، والتكنولوجيا، والأمن النووي، وهو أمر معتاد بين شريكين يجمعهما توافق استراتيجي.

وفي بيان مشترك، انتقد الطرفان الضربات والمناورات العسكرية الأمريكية بشكل غير مباشر دون استهداف الولايات المتحدة علانية؛ حيث وُجهت هذه الانتقادات سياقياً نحو ملفات فنزويلا، وإيران، وكوبا، وعسكرة مضيق هرمز. وفي السياق ذاته، اتهم الزعيمان الولايات المتحدة بإضعاف الاستقرار الاستراتيجي من خلال إنشاء نظام الدفاع الصاروخي المعروف باسم "القبة الذهبية".

كما ناشدت الصين وروسيا الدول بوقف التدخل أحادي الجانب في خطوط التجارة والخدمات اللوجستية العالمية، وهو ما قد يكون إشارة إلى مضيق هرمز. وقد تكون هذه التصريحات موجهة لكل من الأمريكيين والإيرانيين الذين دأبوا على عرقلة عبور الطاقة عبر فرض رسوم أو قيود. وأخيراً وليس آخراً، فإن السبب الحقيقي الذي من أجله تواجد الرئيس الروسي في بكين هو حسم صفقة خط أنابيب الغاز "قوة سيبيريا 2".

وعلى عكس سلفه (قوة سيبيريا 1)، فإن هذا المشروع المخطط له سيبدأ من غرب سيبيريا، ليمر عبر منغوليا ويدخل المنطقة الشمالية من البر الرئيسي الصيني. ويمتلك هذا المشروع القدرة على تصدير 50 مليار متر مكعب من الغاز في حال اعتماده نهائياً. وعلى الرغم من أن الدولتين تناقشان وتوقعان مذكرات تفاهم بشأن هذا المشروع على مدار السنوات الأربع الماضية، إلا أن الاتفاق لم يكتمل هذه المرة أيضاً.

أبرز النتائج المستخلصة

انتهى الاجتماع دون أي طفرات كبرى، واقتصر على تحذيرات شفهية وتفاهمات متبادلة في قضايا عدة. ومع التغير المتسارع للأوضاع الجيوسياسية وتوجه العالم نحو نظام دولي أكثر تشوهاً، تجد جمهورية الصين الشعبية وروسيا نفسيهما في حالة تباين؛ حيث يظهر هذا الاجتماع بوضوح وجود "عدم ثقة مُوجَّه" بين الطرفين.

من جهة أولى: تستفيد الصين من حرب أوكرانيا؛ فبسبب العقوبات الغربية ومقاطعة الطاقة الروسية، أصبحت روسيا تعتمد بشكل كبير على التكنولوجيا الصينية. علاوة على ذلك، تريد الصين لروسيا أن تستمر في الحرب لإرهاق الاقتصاد الغربي.

من جهة أخرى: وبسبب الخسائر الاقتصادية الفادحة، أصبحت روسيا بقيادة بوتين ضعيفة للغاية لدرجة أنها لا تتحمل المزيد من الخسائر الاستراتيجية.

ثانياً، إن الصين هي التي تقدم الدعم الفتاك لإيران في مواجهة الولايات المتحدة. وبعد اختتام الاجتماع، صرح بوتين بأن روسيا مستعدة للعمل مع الولايات المتحدة وناقش هذا الأمر مع الصين. يسعى بوتين إلى تقديم تنازلات مع الغرب بعد أن أصبح موقفه ضعيفاً في أوكرانيا، بينما تبرز الصين نفسها كلاعب أقوى في هذا الصدد.

عدم الثقة المُوجَّه

كانت فجوة الثقة واضحة تماماً بين روسيا وجمهورية الصين الشعبية. فخلال معرض للعلاقات الاقتصادية الروسية الصينية أقيم في "هاربين" — وهي مدينة في شمال شرق الصين كانت تخضع للاحتلال الروسي في حقبة زمنية سابقة — لم يستطع نائب رئيس الوزراء الروسي، يوري تروتنيف، إخفاء خيبة أمله من التفاوت بين مستويات القدرات التكنولوجية للبلدين، حيث صرح قائلاً: "عندما رأيت أن بلدنا لم يجلب سوى العسل وسرطان البحر، بينما جلب شركاؤنا الطائرات بدون طيار والروبوتات، يجب أن أعترف بأنني شعرت بخيبة أمل كبيرة".

إن ما يسمى بـ "الشراكة بلا حدود" التي أعلنتها روسيا قبل أربع سنوات، تبدو الآن وكأنها عبء وعامل سلبي على موسكو. وفي السياق ذاته، في نوفمبر 2025، تمكن قراصنة من مجموعة تجسس إلكتروني صينية تُدعى (APT31) من اختراق قطاع التكنولوجيا في روسيا لعدة سنوات قبل سحب بيانات من شركات تعمل بموجب عقود حكومية وتكامل الأنظمة. وكما ورد في التقرير الصادر عن شركة (Positive Technologies) الروسية للأمن السيبراني: "كانت الحملة مخططة بدقة وعناية وظلت غير مكتشفة لفترة طويلة".

وقبل ذلك، في يونيو 2025، ووفقاً لتقرير نشرته صحيفة نيويورك تايمز، وصف جهاز الاستخبارات الروسي السري (FSB) الصين بأنها "العدو". وبحسب التحذير الصادر عن الجهاز، فإن الصين تمثل خطراً جسيماً على أمن روسيا؛ إذ تبذل جهوداً أكبر من ذي قبل لتجنيد روسيين للتجسس لصالحها والحصول على التكنولوجيا العسكرية.

وبناءً على المعلومات التي قدمها التقرير، يبدو أن الصين تتجسس على الأنشطة العسكرية الروسية في أوكرانيا لمعرفة معلومات تتعلق بأساليب الحرب الغربية. ويُعتقد أن الروس يخشون من قيام الأكاديميين في الصين بالمطالبة بأراضٍ روسية في المستقبل. كما تجدر الإشارة إلى أنهم يحذرون من عمليات تجسس في منطقة القطب الشمالي تديرها الاستخبارات الصينية عبر شركات التعدين وبرامج التبادل الجامعي.

حدود الشراكة "اللامحدودة"

تشير كل هذه التطورات إلى وجود عدم ثقة استراتيجي بدلاً من التحالف الاستراتيجي. وقد أشار هنري كيسنجر ذات مرة قائلاً: "ليس هناك أصدقاء دائمون ولا أعداء دائمون في السياسة، بل هناك مصالح دائمة". وتتميز جيوسياسية القرن الحادي والعشرين بتضارب مصالح الشركاء القدامى؛ فروسيا تجد نفسها مكبلة بأغلال حرب أوكرانيا، بينما تتوجس الصين خيفة من الصعود العسكري المتنامي لليابان ومبيعات الأسلحة الأمريكية لتايوان.

إنها فرصة تحدث مرة واحدة في القرن للغرب، وتحديداً للولايات المتحدة، للاستفادة القصوى من هذه الشراكة الصينية الروسية الآخذة في التباعد. وبناءً على ذلك، إذا كان العالم يتحدث عن عدم حدوث طفرات كبرى خلال اجتماع ترامب وشي، فيجب الاعتراف أيضاً بأن لقاء بوتين وشي الأخير قد فشل بدوره في أن يشكل نقطة تحول فارقة.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

Comments