00:00:00
توقيت بغداد
2026مايو31
الأحد
12 °C
بغداد، 12°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

د. نادية حلمي - باحث أقدم زائر في مركز دراسات الشرق الأوسط (CMES)

الصين تحلل مساعي ترامب لتوسيع "اتفاقيات أبراهام" في الخليج والشرق الأوسط

تحلل الدوائر الاستخباراتية والعسكرية الصينية "اتفاقيات أبراهام" بين دول الخليج والشرق الأوسط وإسرائيل، ليس بوصفها مجرد معاهدات سلام، بل كبنية تحتية لتحالف تكنولوجي وعسكري يربط التقنيات الإسرائيلية المتقدمة بالقدرات المالية الخليجية تحت مظلة أمريكية، بهدف مواجهة الصين.

كما تراقب بكين عن كثب توسع هذه الاتفاقيات مع إسرائيل لتشمل دولاً آسيوية مهمة، مثل انضمام كازاخستان (في وسط آسيا)، والتداعيات المحتملة لذلك على الأمن القومي الصيني. بناءً على ذلك، تخشى بكين أن يوفر هذا المحور الإسرائيلي الخليجي، الذي يعمل تحت رعاية "اتفاقيات أبراهام"، لواشنطن شبكة استخباراتية إقليمية قوية قادرة على مراقبة التحركات العسكرية والتكنولوجية الصينية، لا سيما على طول الممرات البحرية الحيوية وفي الموانئ.

وتشير التحليلات والأبحاث الصينية الرسمية إلى أن اتفاقيات أبراهام قد تجاوزت مفهوم السلام الدبلوماسي التقليدي لتصبح شبكة استراتيجية، مدعومة بشكل أساسي من الولايات المتحدة، تهدف إلى احتواء نفوذ الصين المتنامي في الشرق الأوسط. ويرى الخبراء الصينيون ومراكز الفكر العسكرية والاستخباراتية المعنية بالشرق الأوسط أن المشاريع الإقليمية المشتركة، التي ستدمج التكنولوجيا الإسرائيلية برأس المال الخليجي تحت غطاء الاتفاقيات، قد تشكل ثقلاً موازناً ناجحاً يقلل من الهيمنة الصينية في قطاعي الاتصالات والبنية التحتية في منطقة الشرق الأوسط والخليج، مقارنة بالمبادرات الغربية والأمريكية الأخرى.

وفي هذا السياق، ينظر الاستراتيجيون والمحللون العسكريون الصينيون إلى اتفاقيات أبراهام كمنظومة أمنية واقتصادية شاملة، وليس مجرد خطوة دبلوماسية ثنائية بين كل دولة خليجية على حدة وإسرائيل. وتستند هذه القراءة الصينية إلى عدة أبعاد تعتبرها خطوة أمريكية وإسرائيلية لإعادة هندسة التحالفات في الشرق الأوسط والخليج على حساب الصين. إذ تعتقد مراكز الأبحاث الصينية أن اتفاقيات أبراهام تهدف إلى دمج بعض القوى الإقليمية في محور دفاعي واقتصادي واحد تدعمه واشنطن، مما يؤسس لهيكل إقليمي يعزل القوى المنافسة مثل الصين وإيران، ويحد من فرص التوسع الجيوسياسي والاقتصادي لبكين.

وتدرك بكين أن تطبيع العلاقات الخليجية الإسرائيلية يفتح مسارات تجارية وبنى تحتية وشبكات لوجستية بديلة، مثل مشاريع الربط الإسرائيلي الخليجي الهندي الأوروبي المخطط لها (الممر الهندي الإسرائيلي) الذي يربط الشرق الأوسط بأوروبا؛ وهو ما قد يهمش مبادرة "الحزام والطريق" الصينية ويضعف نفوذ بكين الدبلوماسي.

وتحلل الدوائر الاستخباراتية والعسكرية الصينية مفارقة اتفاقيات أبراهام، التي تراها الصين كـ (خطوة استباقية) من واشنطن لتعزيز نفوذها في وقت تكثفت فيه الدبلوماسية الصينية في المنطقة، وهو ما تجسد في وساطة بكين لاتفاقيات مثل التقارب السعودي الإيراني في مارس 2023، و"إعلان بكين" للفصائل الفلسطينية والمصالحة بين مختلف التيارات والحركات الفلسطينية في 23 يوليو 2024 في أعقاب حرب غزة. وبناءً على ذلك، تتعامل الصين مع هذا الواقع عبر تعزيز دورها كقوة تنموية ووسيط سلام محايد، مستندة إلى علاقاتها الاستراتيجية والاقتصادية المتوازنة مع جميع الأطراف لحماية مصالحها الحيوية في المنطقة والخليج.

أبعاد الاستراتيجية الأمريكية من المنظور الصيني

ترى الأجهزة الاستخباراتية والعسكرية الصينية أن توسيع اتفاقيات أبراهام، بدعوة من إدارة ترامب، هو استراتيجية أمريكية تهدف بالدرجة الأولى إلى احتواء الصعود الصيني، وإعادة هيكلة المنظومة الأمنية الإقليمية لخدمة الهيمنة الأمريكية، وتطويق مصالح بكين الاقتصادية والأمنية في الشرق الأوسط. وتتبلور تداعيات هذه الدعوة في عدد من التحليلات الاستراتيجية الصينية التي فككت أبعاد هذه الدعوة وفق النقاط التالية:

استراتيجية الاحتواء المزدوج: تحلل أجهزة الاستخبارات الصينية أن دمج إسرائيل مع القوى الخليجية في تحالف أمني وتكنولوجي تقوده واشنطن يهدف إلى إنشاء "ناتو شرق أوسطي" مخصص للمراقبة الاستخباراتية والعسكرية، ومواجهة النفوذ الصيني والإيراني معاً، والعمل على تقييد مبادرة الحزام والطريق الصينية.

تهديد أمن الطاقة والموانئ: يعتمد نجاح مبادرة الحزام والطريق الصينية في الشرق الأوسط على استقرار المنطقة؛ لذا تقيم بكين اتفاقيات أبراهام كأداة قد تؤدي إلى زيادة الاستقطاب الإقليمي وإشعال صراعات جديدة، مما يهدد أمن الطاقة ومسارات التجارة الحيوية بالنسبة للصين. فاستثمارات الصين الضخمة في البنية التحتية والموانئ، مثل ميناء خليفة في الإمارات وميناء الدقم في عمان، تقوم على معادلة "الأمن عبر التنمية"؛ وبالتالي، فإن توسيع الاتفاقيات سيؤدي إلى تقييد هذا التوسع الصيني.

خلق بدائل تكنولوجية ومنافسة مباشرة: تنظر بكين إلى المبادرات التي تدعمها الولايات المتحدة، لا سيما اتفاقيات أبراهام، كبدائل ومنافسين مباشرين لمبادرة الحزام والطريق، وتهدف إلى تقليل الاعتماد الإقليمي على التكنولوجيا والتمويل الصينيين، مثل شبكات الجيل الخامس (5G) من شركة هواوي الصينية.

كما تنظر الصين إلى هذه المحاولات الأمريكية لتوسيع اتفاقيات أبراهام كـ (جهد متعمد لإبعاد دول الخليج عن بكين). ويُنظر إلى دعوة ترامب لدول الخليج والشرق الأوسط للانضمام إلى اتفاقيات أبراهام مع إسرائيل كنوع من الابتزاز السياسي والاقتصادي لإجبار الدول الخليجية على الاختيار بین توسيع الشراكات الاستثمارية والتكنولوجية مع الصين، أو الخضوع للمظلة الأمنية الأمريكية الإسرائيلية. وتكمن المخاوف الاستخباراتية والعسكرية والأمنية الصينية في أن توسيع هذه الاتفاقيات سيشعل سباق تسلح وتكنولوجيا بين واشنطن وبكين.

إن التكامل التكنولوجي لإسرائيل مع بعض دول الخليج يثير مخاوف داخل المؤسسة العسكرية الصينية بشأن تغلغل أدوات المراقبة والتجسس الغربية والأمريكية المتقدمة في المنطقة، وهو ما تعتبره بكين تهديداً مباشراً لأمن شبكاتها وبنيتها التحتية في جميع أنحاء الشرق الأوسط.

وبالنسبة للصين، يقع هذا في إطار معضلة الاستقطاب الإقليمي والسياسي الهادف إلى إشعال الصراعات وعزل إيران بشكل أساسي؛ حيث تؤمن الصين أن بناء تحالف موجه بالدرجة الأولى ضد إيران يضعف الجهود الدبلوماسية ويمنع إقامة نظام أمني شامل، بدليل التصعيد الإقليمي الواسع وعدم الاستقرار الذي يؤثر سلباً على التجارة العالمية وسلاسل الإمداد.

ورداً على سياسات الاستقطاب الأمريكية والإسرائيلية الموجهة ضدها، تبنت الصين مبدأ "الدبلوماسية البديلة"، حيث رعت المصالحة السعودية الإيرانية لتقديم نموذج بديل يقوم على خفض التصعيد عبر الدبلوماسية، مما يحمي مصالحها الاقتصادية ومبادرة الحزام والطريق من تداعيات أي صراع إقليمي شامل.

الردع التكنولوجي والعسكري: قراءة في المشهد البكيني

من خلال قراءتي للمشهد السياسي داخل بكين، يمكنني فك رموز المنظور الاستخباراتي والعسكري الصيني تجاه اتفاقيات أبراهام، حيث ينظرون إليها كشكل من أشكال الاحتواء التكنولوجي ووسيلة لملء الفراغ الأمريكي في مواجهة مبادرة الحزام والطريق. وتتجلى هذه الرؤية في النقاط التالية:

إحباط التوسع الرقمي الصيني: ترى بكين أن اتفاقيات أبراهام تشكل حجر الزاوية لمشاريع منافسة مثل الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا وإسرائيل (IMEC)، والذي يهدف إلى إحباط التوسع الصيني وتهميش تكنولوجيتها. وتستخدم واشنطن هذه الشراكات الخليجية للضغط من أجل استبدال تكنولوجيا الاتصالات الصينية (خاصة شبكات الجيل الخامس من هواوي) ببدائل غربية وإسرائيلية في الخليج، بهدف ترسيخ الهيمنة الرقمية. ويكمن القلق الصيني في الخوف من فرض "ستار حديدي تكنولوجي" أمريكي يمنع الشركات الصينية من الوصول إلى الأسواق والبيانات الحيوية في المنطقة والخليج.

تدفق رؤوس الأموال والأمن السيبراني: وثقت التقارير الصينية تدفقاً هائلاً لرؤوس الأموال الخليجية إلى الشركات الإسرائيلية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي، الأمن السيبراني، وأشباه الموصلات. وتخشى بكين أن يؤدي هذا التحالف الخليجي الإسرائيلي إلى إنشاء سلاسل إمداد تكنولوجية وعسكرية مستقلة تماماً عن الصين ومقاومة للضغوط الاقتصادية، مما يهدد بدوره البنية التحتية وأنظمة الدفاع العسكرية والأمنية المتكاملة للصين في الخليج والشرق الأوسط.

التهديد العسكري المباشر: تنظر القوات المسلحة الصينية، ممثلة في جيش التحرير الشعبي (PLA)، بقلق بالغ إلى دمج أنظمة الرادار والدفاع الجوي الإسرائيلية مع القواعد الأمريكية والخليجية (تحت مظلة القيادة المركزية الأمريكية CENTCOM) كتهديد مباشر لأمن الصين وحلفائها في المنطقة. كما يهدد هذا التعاون الاستخباراتي والتكنولوجي الخليجي الإسرائيلي الأمن السيبراني الصيني؛ إذ تعتقد بكين أنه يمنح الولايات المتحدة وحلفاءها قدرات متفوقة في التجسس الرقمي، تعطيل الشبكات، والهجمات السيبرانية، مما قد يعرض استثماراتها الأمنية في المنطقة للخطر.

الخلاصة

بناءً على التحليل السابق، نفهم أن الصين تنظر إلى اتفاقيات أبراهام بوصفها تحولاً استراتيجياً يعيد تشكيل التحالفات في الشرق الأوسط. وتحاول بكين الموازنة بین مخاوفها من توسع النفوذ الأمريكي والإسرائيلي في المنطقة والخليج على حساب مشاريعها واستثماراتها في مبادرة الحزام والطريق، وبين حالة الاستقطاب الإقليمي والسياسي التي خلقتها هذه الاتفاقيات برعاية واشنطن.

 

د. نادية حلمي - باحث أقدم زائر في مركز دراسات الشرق الأوسط (CMES) / جامعة لوند، السويد - مدير وحدة دراسات جنوب وشرق آسيا.

Comments