الناشر : Arab News - ترجمة : المعهد العراقي للحوار: نصر محمد علي
كيف تسببت عقود من عدم الاستقرار والاعتماد على الغاز الإيراني في إضعاف قطاع الكهرباء في العراق
مع ارتفاع درجات الحرارة في الصيف إلى أكثر من 45 درجة مئوية، وانتشار ضجيج المولدات الاحتياطية في أرجاء العاصمة بغداد ومدن أخرى، يجد العراق نفسه ينزلق صوب أسوأ أزمة كهرباء منذ سنوات. لقد تركت عقود من سوء الإدارة إلى ترك قطاع الطاقة في البلاد في حالة من الضعف. وفي الوقت الراهن، حولت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة والكيان الصهيوني على إيران هذا الضعف المزمن إلى حالة حرجة.
بدأت الحكومة المركزية العراقية، في أواخر شهر آيار/ مايو، في شراء الكهرباء من تركيا وإقليم كردستان شبه المستقل للمساعدة في دعم الإمدادات في عدة محافظات. وتأتي هذه المشتريات في إطار استراتيجية جديدة للطاقة تتبعها الحكومة الجديدة لرئيس الوزراء علي الزيدي لتقليل مدة انقطاع التيار الكهربائي وتكراره. وجاءت هذه الخطوة غداة توجيه وزير الكهرباء علي سعدي وهيب في 23 آيار/مايو بإنشاء غرفة عمليات طوارئ مركزية للتعامل مع التحديات التي سيواجهها صيف عام 2026.
ومع ذلك، يقول الخبراء إن الأزمة المباشرة تعكس مشكلة أعمق بكثير. إن سنوات الحرب والبنية التحتية المتضررة والفساد المنهجي والنفوذ الأجنبي جعلت قطاع الطاقة العراقي اعتماداً كبيراً على واردات الغاز من إيران.
وقال أرمان محموديان، زميل باحث في معهد الأمن العالمي والوطني بجامعة جنوب فلوريدا، لصحيفة عرب نيوز: "البلدان التي مزقتها الحروب، ولاسيما تلك الخارجة من الصراع والتمرد وعقود من الحكم الاستبدادي، غالباً ما تكون عرضة لهياكل السلطة الهشة والنفوذ الأجنبي والفساد".
"العراق ليس استثناءً. فحتى قبل ظهور النظام البعثي لصدام حسين، كان للعراق تاريخ طويل من الحكم الاستبدادي. "إن الأنظمة الاستبدادية غالباً ما تغرس الفساد داخل المؤسسة السياسية بينما يمنع أيضاً نمو المؤسسات القوية. ومع ذلك، فإن المؤسسات القوية هي وحدها القادرة على مكافحة الفساد بشكل فعال وتعزيز النظام السياسي الهش.
"لقد ساهمت هذه العوامل بالتأكيد في ضعف العراق، واعتماده على طهران، واستمرار الفساد". وقد حصل العراق على 28 نقطة من أصل 100 في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، على الرغم من أن بعض المسؤولين والمراقبين الدوليين يقولون إن العراق اتخذ خطوات في السنوات الأخيرة لتعزيز الرقابة.
وعلى الرغم من أن الفساد يشكل جزءاً مهماً من القصة، فإن أزمة الكهرباء في العراق تعكس اعتماداً بنيوياً أعمق على الغاز الإيراني المستورد. وعلى الرغم من الاحتياطيات النفطية الهائلة، اعتمدت البلاد منذ مدة طويلة على واردات الغاز الطبيعي من إيران للحفاظ على استمرار عمل شبكتها الكهربائية. وتبعاً لـ Iraq Business Review فان الغاز المستورد يغطي ما يصل إلى 40 بالمائة من قدرة توليد الطاقة في العراق.
هذا الشريان الحيوي بدأ يتآكل في الوقت الراهن. انخفضت إمدادات الغاز الإيراني بعد أن دمرت الضربات التي شنها الكيان الصهيوني منشآت الطاقة الرئيسة، الأمر الذي دفع الشبكة العراقية إلى حافة الانهيار مع وصول الطلب إلى ذروته في الصيف.
وقد أفادت التقارير أن إيران فقدت حوالي ثلث طاقتها الإنتاجية من الغاز الطبيعي بعد أن دمرت الضربات المنشآت في عسلوية، مركز المعالجة البرية لجنوب بارس، أكبر حقل للغاز الطبيعي في البلاد.
وشن الكيان الصهيوني أول هجوم على حقل جنوب فارس في منتصف مارس/آذار. وأفادت رويترز أن إيران أوقفت تدفقات الغاز إلى العراق في 18 آذار/ مارس، وانتقمت بمهاجمة البنية التحتية للطاقة في أنحاء المنطقة كافة. ثم شن الكيان الصهيوني هجوماً جديداً في أوائل نيسان / أبريل، مستهدفاً مجمع بارس الجنوبي للبتروكيماويات، وهو أكبر منشأة للبتروكيماويات في إيران.
وحذرت وزارة الكهرباء العراقية من انقطاع فوري لتوليد الطاقة على مستوى البلاد. وقال المتحدث الرسمي أحمد موسى إن التوقف أدى بالفعل إلى انقطاع حوالي 3.1 غيغاوات من الغاز بعد انخفاض تدفقات الغاز من 19 مليون متر مكعب إلى الصفر. ويمكن لهذه الكمية من الكهرباء أن تزود ما يقرب من 2 إلى 3 ملايين منزل بالطاقة، استنادا إلى تقديرات الاستهلاك النموذجية من وكالة الطاقة الدولية.
وبعد أسابيع من الهدوء النسبي، استؤنفت أعمال العنف في 7 حزيران / يونيو، حيث أطلقت إيران صواريخ على شمال الكيان الصهيوني وقصف الكيان الصهيوني محطات الطاقة الإيرانية مرة أخرى. قبل الضربات، كانت إيران تزود العراق بـ 50 مليون متر مكعب يوميًا، تبعاً لشركة إنترداتا، وهي شركة أبحاث مستقلة متخصصة في تحليل الطاقة والمناخ.
وأمرت وزارة الكهرباء بالتنسيق الوثيق مع وزارة النفط لتعويض النقص من خلال الوقود البديل وإمدادات الغاز المنزلي. وبحلول أواخر آيار / مايو، قالت إيران إنها استعادت إنتاج الغاز في ثلاث منصات بحرية في حقل بارس الجنوبي، وتبعًا لتقارير وسائل الإعلام الحكومية التي نقلتها وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الإيرانية (إيرانا) . لكن لم يتم استئناف ضخ الغاز إلى العراق. ويصر المحللون على أن الصدمة الأخيرة لا ينبغي أن تحجب الأسباب الأعمق.
قال أحمد الجيلاني، خبير الطاقة العراقي، إن أزمة الكهرباء في العراق "ليست أزمة حرب بالدرجة الأولى"، على الرغم من أن "الحرب فاقمت الوضع بالضغط على إمدادات الوقود، ولاسيما الغاز العراقي المصاحب للنفط".
وأضاف أحمد الجيلاني، " الخبير العراقي في شؤون الطاقة" عرب نيوز Arab News ": "يعاني نظام الكهرباء العراقي من خلل في أكثر من صعيد: إمدادات الوقود، وتوافر الطاقة، وتوزيع الشبكة، والتشغيل، والقياس، والفواتير، والتحصيل، والحوكمة، وإعادة الاستثمار. إن صدمة الحرب تكشف النقاب عن هذه مواطن الضعف، لكنها لا تفسرها".
وأضاف أن العراق بات معتمداً على الغاز الإيراني لأن "تخطيط لقطاع الكهرباء سار بوتيرة أسرع من تخطيط الغاز المحلي".
وقال أن الحكومات المتعاقبة استثمرت في محطات توليد الكهرباء تعمل بالغاز - التي "تتميز عمومًا بكفاءة أعلى، ونظافة أكبر، وصيانة أقل كثافة مقارنة بتلك التي تعمل بالديزل أو زيت الوقود الثقيل" – بيد أنها "لم تستغل ما يكفي من الغاز المصاحب، ولم تطور ما يكفي من حقول الغاز المجانية مثل حقل عكاز، ولم تنجح في تنويع إمدادات الغاز بالسرعة الكافية".
وأضاف: "أضحى الغاز الإيراني أسهل وقود انتقالي، ومع مرور الوقت تحوّل هذا الوقود الانتقالي إلى حالة من الاعتماد الدائم". وعلى وفق تقرير لموقع "طاقة" الإخباري المتخصص في شؤون الطاقة، أنتج العراق نحو 29 غيغاواط من الكهرباء مطلع عام 2026، بينما بلغ الطلب الطبيعي ما يقارب 40 غيغاواط. ومن المتوقع أن يرتفع الطلب خلال فصل الصيف إلى 55 غيغاواط أو أكثر.
وتشير بعض التوقعات الرسمية إلى أن ذروة الطلب ستصل إلى 60 غيغاواط. وصرحت وزارة الكهرباء بأنها تخطط لإنتاج 30 غيغاواط، شريطة توفر كميات كافية من الغاز، تبعاً لما صرح به المتحدث السابق باسم الوزارة، أحمد موسى، لوسائل الإعلام الحكومية. ويعني هذا النقص أن العديد من المحافظات ستواجه على الأرجح قطع مبرمج للتيار الكهربائي، ومن المتوقع أن تتأثر المناطق الأفقر بشكلٍ أكبر. ويعكس اعتماد العراق على إيران أيضًا حالة عدم الاستقرار الاوسع نطاقًا التي يعيشها البلد منذ عام 2003، تبعاً لما ذكره محموديان من جامعة جنوب فلوريدا. وأضاف: "من المهم أن نتذكر أنه منذ الغزو الأمريكي عام 2003، أحرز العراق بعض التقدم الاقتصادي، لكنه افتقر إلى استقرار العسكري والسياسي والأمني المستدام".
وقد شهد العراق، في الوقت نفسه، منافسة شديدة بين الكتل السياسية المختلفة، بما في ذلك كتلة مقتدى". حركة مقتدى الصدر، وحزب الدعوة، والمجلس الأعلى للثورة الإسلامية في العراق. إلى جانب ذلك، شهدت بغداد صراعًا مستمرًا مع حكومة إقليم كردستان حول قضايا عديدة، منها إدارة كركوك وتوزيع الموازنة. ويساعد التاريخ العراقي الحديث في تفسير سبب تعثر خطط البنية التحتية طويلة الأجل مرارًا وتكرارًا.
فقد شنت جماعات، ثم تنظيم القاعدة في العراق، تمردًا ضد قوات التحالف بقيادة الولايات المتحدة والدولة العراقية الوليدة في منتصف العقد الأول من القرن الحادي والعشرين في حين وسّعت جماعات مسلحة مختلفة مدعومة من إيران نفوذها وانخرطت في أعمال عنف.
ثم سيطر متطرفو داعش الإرهابي في عام 2014، وبعد ثلاث سنوات من اندلاع الحرب الأهلية في سوريا المجاورة، على نحو ثلث الأراضي العراقية، بما في ذلك الموصل وأجزاء كبيرة من نينوى وصلاح الدين والأنبار. وقد أشعل هجوم الجماعة فتيل سنوات من الصراع والدمار قبل أن تُهزم هزيمةً ساحقة في العراق عام 2017 وفي سوريا عام 2019.
وقد أسفرت التنافسات السياسية الحادة مرارًا وتكرارًا عن تشكيل تحالفات هشة، وشلل حكومي، وحكومات لم تدم طويلاً. وقال محموديان: "كل هذه التحديات الأمنية والسياسية حالت دون حصول العراق على فرصة مستقرة لبناء بنية تحتية وطنية متماسكة وتعمل بكامل طاقتها".
وأضاف: "تتسم البنية التحتية للطاقة بدرجة عالية من التعقيد، من حيث التخطيط أو الإنشاء والاستثمار والصيانة طويلة الأجل. فهي تتطلب سنوات من العمل المتواصل، واستثمارات ضخمة، وقبل كل شيء، الاستقرار. ولم يحظ العراق إلا بالقليل جداً من ذلك منذ عام 2003".
وتتزامن أزمة الكهرباء مع تراجع عائدات النفط في العراق. ورغم أن العراق ثاني أكبر منتج للنفط في منظمة أوبك، ويمتلك خامس أكبر احتياطي نفطي في العالم، إلا أن الحرب ألحقت ضررًا بالغًا بقدراته التصديرية.
وصرح خبير الطاقة كوفند شيرواني مؤخرًا لقناة شمس التلفزيونية الكوردية بأن منفذ التصدير الوحيد المتاح للعراق حاليًا هو ميناء جيهان التركي عبر كوردستان العراق، بطاقة استيعابية تبلغ 250 ألف برميل يوميًا، أي ما يعادل 7% فقط من الطاقة التصديرية السابقة.
ومع إغلاق إيران فعليًا لمضيق هرمز، وهو ممر مائي عالمي حيوي لنقل النفط، واستمرار الحصار الذي تفرالولايات المتحدة في فرض حصار على الموانئ الإيرانية، انخفض إنتاج العراق من النفط بنحو 60% مقارنةً بمستويات ما قبل الحرب.
ضخ العراق، في آذار/ مارس، ما بين 1.7 و1.8 مليون برميل يوميًا، بانخفاض عن حوالي 4.3 مليون برميل اندلاع الصراع، تبعاً لتقرير بلومبيرغ. ونظرًا لأن أكثر من 90% من صادرات النفط العراقية تمر عادة عبر مضيق هرمز، فقد انخفضت صادرات العراق من النفط إلى 18.6 مليون برميل في آذار / مارس، مقارنةً بـ99.87 مليون برميل في شباط / فبراير، وهو مايمثل انخفاضاً قدره 81.3%، على وفق الأرقام الرسمية.
انخفضت صادرات النفط الخام المنقولة غبر البحر، في مايو/أيار، بأكثر من 97%، لتصل إلى 96 ألف برميل يومياً فقط، مقارنةً بـ 3.32 مليون برميل يومياً في الشهر نفسه من العام الماضي، وفقاً لموقع "أويل برايس". وقال شيرواني: "مع تراجع عائدات النفط في ظل التوترات الإقليمية، وانخفاض الصادرات من موانئ البصرة - التي كانت تمثل سابقاً 94% من الإنتاج - بات تمويل أي خطط إصلاحية أكثر صعوبة بكثير".
وقال احسان عبد الجبار، وزير النفط السابق، في تصريحات تلفزيونية نقلتها منصة الطاقة ان انقطاعات الكهرباء خلال السنوات الأخيرة لم تكن مرتبطة ارتباطاً مباشراً بنقص الوقود، بل كانت ناجمة عن مشكلات تشغيلية وإدارة وأخرى ناجمة عن تأخر أعمال الصيانة".
وأضاف أن معظم محطات توليد الكهرباء في العراق مُصممة للعمل بنظام الوقود المزدوج، الأمر الذي، يتيح لها استعمال الغاز الطبيعي وزيت الوقود وسوائل بترولية أخرى. وأشار إلى إن الادعاءات المتكررة التي تربط انقطاع التيار الكهربائي بنقص الغاز الإيراني فقط، "تستخدم أحيانًا لتبرير حالات الفشل". وأكد أن العراق "يمتلك قدرات تشغيلية تتيح لمعظم المحطات بمواصلة العمل حتى في حالة انخفضت إمدادات الغاز المستورد خلال الاوقات الحرجة الماضية".
يرى الجيلاني أن الحل يكمن في التركيز أولًا على الإصلاحات الممكنة سياسيًا والفعّالة تقنيًا.
وقال: "لتحقيق الإصلاح، ينبغي على العراق البدء بإجراءات تُحقق أكبر فائدة لنظام الكهرباء بأقل تكلفة سياسية واقتصادية".
وأضاف: "هذا يعني أن الإصلاح يجب أن يبدأ بتركيب عدادات النظام بشكل صحيح، والحد من الفاقد الفني والإداري، وتحسين الخدمة في المناطق التي يُتوقع من الناس دفع ثمنها، وربط تخطيط الكهرباء بتخطيط جاد لاستخراج الغاز وتوفير الوقود".
وأوضح: "يدفع العراقيون بالفعل أسعارًا باهظة لمولدات الكهرباء الخاصة. ويكمن التحدي في نقل هذا الإنفاق إلى نظام عام قادر على توفير كهرباء موثوقة بتكلفة اجتماعية واقتصادية وبيئية أقل". وبينما تسعى بغداد جاهدةً لإيجاد حلول طارئة، تظل أصوات المولدات الكهربائية في أرجاء بغداد ليست سوى مؤشر على مشكلة أعمق. وحتى يعالج العراق الإخفاقات المؤسسية والاعتماد على الخارج ونقص الاستثمار المزمن الذي ابتلي به قطاع الطاقة منذ عقود، فسيشهد كل صيف أزمة حادة.
المعهد العراقي للحوار الراعي اللوجستي لمعرض بغداد الدولي للكتاب يفتتح جناحه الخاص في المعرض
المعهد العراقي للحوار يصدر "الحقيبة الدبلوماسية" للدكتور كرار البديري
Official agreement between Iraqi Institute for Dialogue and the Iraqi Media Network to sponsor The Seventh Annual International Conference of “Baghdad Dialogue” 2025
دعوة استكتاب في العدد (79) من مجلة "حوار الفكر"
رئيس الوزراء: طريق التنمية سيجعل العراق قوة اقليمية سياسة واقتصادية
استكتاب خاص بمؤتمر حوار بغداد الدولي السابع لكتابة أوراق بحثية
إشادات بحوار بغداد الدولي: تعزيز دور العراق المحوري ونقطة التقاء للرؤى
Comments