إنهاء الهيمنة الأمريكية على الدفاع الأوروبي؟
أعادت إدارة ترامب الثانية تركيز الاهتمام على الجيش ضمن الخطاب الأمني للنخبة، رافعةً سقف الرهان على الإنفاق الدفاعي. وقد امتد هذا الاتجاه إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو)، مع تزايد توقعات ترامب من حلفائه الأوروبيين بتوسيع إنفاقهم الدفاعي إذا أرادوا الحفاظ على الدعم العسكري الأمريكي الضخم في جميع أنحاء القارة، خاصة في ظل استمرار الحملة الروسية في أوكرانيا وتهديد امتداد الحرب.
وفي حين التزمت الدول الأعضاء بإنفاق ما لا يقل عن %5 من نواتجها المحلية الإجمالية الفردية على الإنفاق الدفاعي خلال قمة عام 2025، فإن بعضها يجد صعوبة في تحقيق هذا الهدف بسبب القيود البرلمانية والميزانياتية. وكان الاجتماع الذي عُقد في 24 يونيو بين الأمين العام لحلف الناتو مارك روته والرئيس الأمريكي دونالد ترامب مهيأً لموازنة التوقعات الأمريكية مقابل القيود الأوروبية المفروضة على الإنفاق الدفاعي.
وتُبرز تحفظات ترامب بشأن الإبقاء على الأنظمة الدفاعية الأمريكية للمساعدة في حماية أوروبا من التهديد الروسي، إلى جانب الإنفاق الدفاعي دون المستوى المطلوب من قبل نظرائه الأوروبيين، هذا النقاش الحاسم: إلى أي مدى يمكن لأوروبا أن تدافع عن نفسها ضد روسيا، دون أمريكا؟
لماذا تحتاج أوروبا إلى الدعم العسكري الأمريكي؟
يحلل تقرير مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية (CSIS) لعام 2025، والمعنون بـ "كيف يمكن لأوروبا أن تدافع عن نفسها بأقل قدر من أمريكا"، التهديد الذي يلوح في الأفق والمتمثل في احتمال امتداد الحملة الروسية في أوكرانيا إلى الدول الغربية.
ووفقاً للتقرير، تشير معلومات استخباراتية أوروبية مختلفة إلى إعادة تسليح روسي في غضون 5 سنوات تقريباً، تحت ظروف مناسبة (وعلى رأسها وقف إطلاق النار). وفي مثل هذه الحالة، قد تشن روسيا هجوماً إقليمياً على دول البلطيق بل وحتى هجومًا واسع النطاق في جميع أنحاء أوروبا. ودون دعم عسكري أمريكي، فإن القوات الأوروبية على الأرض ستعجز بسبب نقص "الذخائر والقوات الأمامية" المستدامة. كما أن الهجوم الجوي الروسي سيجبر الدفاع الجوي الأوروبي على الضعف من خلال "تفضيله للكتلة الدفاعية"، أو شنه حملة عسكرية تركز على تجريد الموارد في هجوم مكثف لإنهاك القوات المعارضة عن طريق الاستنزاف.
في المقابل، فإن وجود القوات الأمريكية والمدفعية والقوات الجوية والبحرية من شأنه أن يجعل روسيا أكثر حذرًا وحسابًا قبل شن أي هجوم في أوروبا. وجوهر القول إن الوجود العسكري الأمريكي يعمل كضمانة أمنية لردع امتداد الحرب الروسية إلى دول غرب أوروبا. إن احتمالات تفعيل القدرات العسكرية لحلف الناتو بالكامل لحماية أوروبا من روسيا تُعد منخفضة، على الأقل طالما حافظت الولايات المتحدة على وجودها الجغرافي.
إلى أي مدى تعتمد أوروبا على الولايات المتحدة؟
يفصل تقرير مركز (CSIS) حجم الوجود العسكري الأمريكي في جميع أنحاء أوروبا. فحتى عام 2025، كان للولايات المتحدة ما يقرب من 80,000 جندي متمركزين في مواقع أوروبية مختلفة، ليكونوا بمثابة قوة رد سريع لمواجهة العدوان الروسي.
وهي تقود جزءاً من القوات البرية المتقدمة التابعة لأوروبا (FLF) في بولندا، مما يسهم في الانتشار الأمامي الأولي لأوروبا. بالإضافة إلى ذلك، هناك قيادات تعزيزية في الاحتياط، إذا لزم الأمر لدعم جهود القوات على الأرض. ومن حيث القوة الجوية، تقود الولايات المتحدة ترسانتها الجوية الواسعة من قاعدة رامشتاين الجوية، والتي تضم مقر القيادة الجوية الحليفة للناتو. كما تعمل القوة البحرية الأمريكية في المسارح البحرية الأوروبية الحاسمة، مثل البحر الأسود وحول القطب الشمالي، كقوة ردع معززة على الجناح الشرقي لحلف الناتو.
وبصرف النظر عن جوانب الوجود العسكري والردع هذه، يقول روبن ستيوارت من المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) إن الإطار التنظيمي لحلف الناتو، الذي تقوده "أنظمة التشغيل" الأمريكية، يوفر شبكة اتصال متماسكة تسمح لجميع الدول الأعضاء في الناتو بالتحرك في استجابة منسقة للعدوان الخارجي.
ويجادل بأن هذه الشبكة بالذات، التي تتكون من أنظمة استخبارات ومراقبة واستطلاع (ISR) واسعة النطاق إلى جانب "أنظمة التشغيل" الأمريكية، هي التي تمكن من إنفاذ استراتيجية الناتو بأكملها. وبدون هذه الشبكة، لن يكون لدى الدول الأوروبية إطار عمل متماسك يمكنها من خلاله التصرف بفعالية في ظروف العدوان الروسي.
إذا انسحبت الولايات المتحدة، فما هي خطة الطوارئ الأوروبية؟
بينما تمتلك الدول الأوروبية بشكل فردي قدرات عسكرية كبيرة (بعضها نووي)، فإن مسألة التوافق بين هذه الدول تبرز كعقبة، لا سيما خلال الحملات العسكرية المثيرة للجدل التي تتطلب قدرة سريعة على اتخاذ القرار. وهناك افتقار ملحوظ لـ "النسيج الرابط" الذي يرى ستيوارت أن "أنظمة التشغيل" الأمريكية توفره داخل الناتو، وذلك في غياب الوجود الأمريكي.
ومع ذلك، وخارج إطار الناتو، تهدف "الخطة الأوروبية للجاهزية الدفاعية بحلول عام 2030" إلى دمج القدرات الدفاعية المنفصلة بشكل فعال في إطار فوق وطني متماسك من خلال تعزيز "التنقل العسكري والبنية التحتية". كما ستعمل على توطين إنتاج الأسلحة والمشتريات لتجنب نفوذ الإمدادات الخارجية لاحقًا.
وإلى جانب هذه الخطة، يمتلك الاتحاد الأوروبي خططًا أكثر تحديدًا لتعزيز قدراته في مجال الأسلحة، مثل برنامج "يورودرون" (Eurodrone) المقرر أن يعزز قدرات الاتحاد الأوروبي في مجال الطائرات بدون طيار (UAV) ذات الارتفاع المتوسط والتحمل الطويل (MALE) والارتفاع العالي والتحمل الطويل (HALE) بحلول عام 2030. إن هذه البرامج طموحة في صياغتها اللفظية، لكنها ليست بنفس الفعالية في الواقع؛ إذ إن المشكلة المتأصلة في التوافق الأوروبي والتأخيرات البيروقراطية تعوق الهدف طويل الأجل المتمثل في تحقيق الاستقلال الاستراتيجي.
في مواجهة المتقلبات الدائمة لقرارات ترامب، يتعين على أوروبا أن تكون مستعدة لمواجهة قضاياها الداخلية وبناء نسيجها الرابط الخاص. وبالمعنى الملموس، يُعد الوجود العسكري الأمريكي شرطًا ضروريًا لردع العدوان الروسي. ومع ذلك، فقد حان الوقت لمواجهة احتمال أن هذا الوجود الأمريكي الضامن للأمن قد لا يكون موثوقًا به كما كان في السابق. ويتعين على أوروبا أن تزيد من إنفاقها الدفاعي وأن تعالج قضايا التوافق بين دولها بشكل مباشر، إذا كانت ترغب حقًا في ردع التهديد الروسي، وتأهيل نفسها في المستقبل للانخراط في قتال متكافئ.
المعهد العراقي للحوار الراعي اللوجستي لمعرض بغداد الدولي للكتاب يفتتح جناحه الخاص في المعرض
المعهد العراقي للحوار يصدر "الحقيبة الدبلوماسية" للدكتور كرار البديري
Official agreement between Iraqi Institute for Dialogue and the Iraqi Media Network to sponsor The Seventh Annual International Conference of “Baghdad Dialogue” 2025
دعوة استكتاب في العدد (79) من مجلة "حوار الفكر"
رئيس الوزراء: طريق التنمية سيجعل العراق قوة اقليمية سياسة واقتصادية
استكتاب خاص بمؤتمر حوار بغداد الدولي السابع لكتابة أوراق بحثية
كلمة مدير المعهد العراقي للحوار في مؤتمر حوار بغداد الدولي السادس
Comments