00:00:00
توقيت بغداد
2026يوليو16
الخميس
12 °C
بغداد، 12°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

الناشر: صحيفة الفايننشال تايمز - ترجمة: فيصل عبد اللطيف

نهاية وزارة الخارجية الأمريكية كما عرفناها

بالنسبة لأي دبلوماسي أمريكي يتطلع إلى التقدم في مسيرته المهنية، يبدو هذا الوقت، نظريًا على الأقل، مناسبًا للبحث عن منصب جديد. فبحلول أواخر يونيو/حزيران، كان أكثر من نصف مناصب السفراء الأمريكيين حول العالم لا يزال شاغرًا، بما في ذلك سفارات تعد من أكثر المواقع الدبلوماسية أهمية، مثل ألمانيا والسعودية. أما بالنسبة للمتخصصين في الشؤون الأفريقية، فتبدو الفرصة أكبر؛ إذ تخلو قرابة 80 في المائة من السفارات الأمريكية في أفريقيا من سفير معتمد.

غير أن الصورة داخل وزارة الخارجية الأمريكية نفسها تبدو أقل إشراقًا. فمنذ عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025، لم يُخفِ احتقاره لما وصفه بـ*"مؤسسة السياسة الخارجية الحمقاء للغاية".

وباعتبارها الواجهة الرسمية للسياسة الخارجية الأمريكية، وأحيانًا الذراع التي تفرض بها واشنطن نفوذها على الساحة الدولية، اعتادت وزارة الخارجية أن تحظى بمكانة استثنائية في الخارج. فمنذ نهاية الحرب الباردة، كثيرًا ما تعامل السفراء والمبعوثون الأمريكيون مع الحكومات المضيفة من موقع قوة، مستندين إلى نفوذ الولايات المتحدة بما يشبه سلطة حكام الأقاليم في الإمبراطوريات.

لكن بعد مرور ثمانية عشر شهرًا على الولاية الثانية لترامب، لم تعد الوزارة مجرد مؤسسة تراجع نفوذها، بل أصبحت تبدو وكأنها تتعرض لاستهداف مباشر.

وفي خروج واضح على تقليد استمر طوال الستين عامًا الماضية، همّش ترامب الدبلوماسيين المهنيين الذين اعتادوا تولي إدارة ما لا يقل عن ثلثي السفارات الأمريكية. فمن أصل 101 مرشح لمنصب سفير خلال ولايته الثانية، لم يكن سوى تسعة من الدبلوماسيين المحترفين.

ويأتي ذلك بالتزامن مع تقليصات حادة في الوزارة، إذ انخفض عدد العاملين فيها بأكثر من 3,000  موظف، أي بما يزيد على 20 في المائة، منذ عودة ترامب إلى السلطة.

وتصف الإدارة هذه التغييرات بأنها إصلاح طال انتظاره لمؤسسة بيروقراطية أصبحت، في نظرها، منفصلة عن الواقع. ويؤكد مسؤولوها أن وزارة الخارجية تحولت إلى جهاز يعرقل السياسات بدلًا من أن يسهم في تحقيق أهداف الأمن القومي الأمريكي.

أما الدبلوماسيون الحاليون والسابقون، فيرون فيما يحدث عملية تسييس فجة للمؤسسة، إلى جانب إقصاء ممنهج لأصحاب الخبرة، في إطار ثقافة "أمريكا أولًا" التي تقلل من قيمة المعرفة الإقليمية والخبرة المتراكمة.

وفي الوقت نفسه، يعرب الحلفاء التقليديون للولايات المتحدة عن أسفهم لتراجع الدور المتوازن الذي كانت تؤديه وزارة الخارجية في إدارة الدبلوماسية اليومية، بينما تجد الاتفاقات التي يصوغها مسؤولون قليلو الخبرة صعوبة في الصمود أو التحول إلى نتائج ملموسة.

ويقول نيك بيرنز، الذي أمضى31  عامًا في السلك الدبلوماسي الأمريكي، وكان آخر مناصبه سفيرًا لدى الصين حتى عودة ترامب إلى السلطة:

"نحن نشهد أكثر أزمة تدميرًا يتعرض لها السلك الدبلوماسي الأمريكي طوال تاريخه الممتد 102 عامًا."

إضعاف النفوذ الأمريكي؟

يسود القلق أوساط قدامى مسؤولي وزارة الخارجية الأمريكية. ولا يقتصر انزعاجهم على فقدان الوظائف أو تراجع المكانة المؤسسية، بل يمتد إلى ما يرونه إضعافًا لنفوذ الولايات المتحدة نتيجة فقدان الخبرات المتراكمة داخل المؤسسة، والابتعاد عن الدبلوماسية بوصفها الأداة الرئيسة لإدارة السياسة الخارجية.

يقول ويليام (بيل) بيرنز، الذي أمضى 32 عامًا في السلك الدبلوماسي الأمريكي، وشغل مناصب عدة، من بينها سفير الولايات المتحدة لدى روسيا، ونائب وزير الخارجية، قبل أن يتولى إدارة وكالة الاستخبارات المركزية (CIA) في عهد الرئيس جو بايدن: "الأوضاع سيئة للغاية."

ويرى بيرنز أن سياسات ترامب تلحق بوزارة الخارجية ضررًا يفوق حتى ما شهدته خلال حقبة جوزيف مكارثي في خمسينيات القرن الماضي، عندما أدت حملة "الذعر الأحمر" التي قادها السيناتور الأمريكي إلى خسارة الولايات المتحدة جانبًا كبيرًا من خبراتها المتخصصة في الشأن الصيني.

ويضيف: "كان ذلك يقتصر على مجموعة محددة نسبيًا من القضايا، وقد كلّف الولايات المتحدة ثمنًا باهظًا طوال نحو خمسة عشر عامًا، إلى أن جاء الانفتاح الذي قاده نيكسون وكيسنجر على الصين. أما اليوم، فالتأثير يشمل كل شيء؛ فهو لا يقتصر على منطقة بعينها أو مجال معرفي محدد."

ولا يقتصر انتقاد المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية على ما يصفه ب"حملة الانتقام"* التي تشنها الإدارة ضد وزارة الخارجية والدبلوماسيين المهنيين، بل يشير إلى ما يعتبره أمرًا أكثر خطورة، وهو الاستخفاف بقيمة الدبلوماسية المهنية نفسها.

وقد اعتمد ترامب على عدد من المقربين منه لإبرام اتفاقات دبلوماسية، من بينها مذكرة التفاهم مع إيران التي وُقعت الشهر الماضي، والتي أوشكت الآن على الانهيار بالكامل مع تبادل الضربات بين البلدين. ويحمّل كثير من منتقدي الرئيس هشاشة ذلك الاتفاق – بما في ذلك البنود التي رأى بعضهم أنها جاءت لمصلحة طهران – لقراره تهميش الخبراء والمتخصصين.

ويضيف بيرنز، الذي شارك شخصيًا في عدد من جولات التفاوض مع إيران:

"أنت بحاجة إلى هذا النوع من الخبرة المهنية غير المنحازة سياسيًا حتى تتمكن من مجاراة المفاوضين الإيرانيين، الذين أعرف من تجربتي الشخصية أنهم متمرسون للغاية في هذه الملفات. وينطبق الأمر نفسه إذا وصلنا يومًا إلى مرحلة مفاوضات جادة بشأن روسيا وأوكرانيا."

أما يائيل ليمبرت، التي أمضت 27 عامًا في وزارة الخارجية الأمريكية، وأُقيلت من منصبها سفيرةً لدى الأردن في اليوم الأول من الولاية الثانية لترامب، فتقدم تقييمًا أكثر صراحة، إذ تقول:

"لقد تفوقوا علينا في التفاوض. فالإيرانيون مفاوضون ذوو خبرة، وقد اصطحبوا معهم فرقًا من الخبراء الذين يعرفون هذه الملفات بكل تفاصيلها. أما الولايات المتحدة، فلم تفعل ذلك، وبذلك وضعت نفسها من جانب واحد في موقف تفاوضي أضعف."

إصلاح مدروس ومتأنٍ

في إطار الحملة الأوسع التي تخوضها إدارة ترامب ضد ما تصفه بـ"الدولة العميقة"، يقدم مسؤولو الإدارة تقليصات وزارة الخارجية باعتبارها خطة إصلاح مدروسة ومنفذة بتأنٍ، هدفها إعادة مواءمة الوزارة مع أجندة "أمريكا أولًا". ويؤكد متحدث باسم الوزارة أن هذه التغييرات ستجعلها أكثر قدرة على "التحرك بالسرعة التي تفرضها متطلبات المرحلة."

ويتساءل أحد كبار مسؤولي إدارة ترامب:

"ما هي الوظيفة الحقيقية لوزارة الخارجية؟ إنها تحب أن تعتبر نفسها مركز صنع السياسة الخارجية، لكن هذا غير صحيح. مهمتها هي تنفيذ السياسة الخارجية للرئيس وتمثيلها، لا صياغتها."

ويقول المسؤول إن ماركو روبيو، عندما تولى منصب وزير الخارجية مع بداية الولاية الثانية لترامب، دخل الوزارة وخلص سريعًا إلى نتيجة مفادها: "بهذه الطريقة، لا يمكن للمؤسسة أن تستمر."

ويقر مسؤولون حاليون وسابقون في الوزارة بأن المؤسسة كانت بحاجة فعلًا إلى مراجعة شاملة. ويقول أحد الدبلوماسيين المخضرمين إن الوزارة أخفقت خلال السنوات الأخيرة في معالجة أوجه قصور مزمنة، مثل تداخل الصلاحيات والاختصاصات، بينما يرى آخر أن الوزارة كانت تتعامل أحيانًا مع التوجيهات السياسية الصادرة عن القيادة المنتخبة بأسلوب يتسم بالمماطلة أو المقاومة غير المباشرة.

غير أن كثيرًا من الدبلوماسيين يخشون أن تكون هذه الإصلاحات مجرد غطاء لخفض مكانة الوزارة بصورة جذرية. كما يثير قلقهم الإيقاع السريع للتغييرات، والذي تجسد، على سبيل المثال، في الإغلاق المفاجئ العام الماضي للوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، التي أسسها الرئيس جون كينيدي، وهو قرار يرون أنه خلّف تداعيات كارثية.

ويقول جاكوب شابيرو، أستاذ العلاقات الدولية في جامعة برينستون:

"هناك قدر من الصحة في القول إن وزارة الخارجية كانت بحاجة منذ زمن إلى إعادة هيكلة وتحديث. لكن ما حدث نُفذ بسرعة كبيرة، ومن دون دراسة كافية لما قد يترتب عليه من آثار على الدبلوماسية الأمريكية."

ويرى المقربون من الإدارة أن آخر مرة شهدت فيها وزارة الخارجية تحولًا بهذا الحجم كانت مع بداية الحرب الباردة قبل نحو ثمانية عقود. لكن الواضح أن جذور عملية إعادة الهيكلة الحالية تعود إلى الولاية الأولى لترامب، حين أثار استياءه ما اعتبره إحجام الوزارة عن تنفيذ توجهاته.

ويقول جيمس كارافانو، الباحث في مؤسسة هيريتج المحافظة، إن مايك بومبيو، الذي تولى وزارة الخارجية في النصف الثاني من الولاية الأولى لترامب، اتبع النهج الذي سار عليه معظم أسلافه، سواء كانوا ديمقراطيين أم جمهوريين، والقائم على مبدأ:

"أقوم بما يريده الرئيس، وأترك الوزارة تدير شؤونها الداخلية."

ويضيف: "نفذ بومبيو سياسات الرئيس، لكنه لم يسع إلى إعادة تشكيل الوزارة من الداخل. وكان شعاره أن يُرضي الرئيس من جهة، ويحافظ على استقرار المؤسسة من جهة أخرى. أما في ولايته الثانية، فأراد ترامب وزارة أكثر انسجامًا مع رؤيته. فالأمر يتعلق بممارسة السلطة من القمة إلى القاعدة، وتشكيل وزارة خارجية تعكس تصوره هو."

وقد أوضح ترامب هذا التوجه في اختياراته للوسطاء المكلفين بإدارة الأزمات الدولية خلال ولايته الثانية، إذ اعتمد على رجال أعمال مقربين منه وممولين لحملاته، مثل ستيف ويتكوف وتوم باراك، فضلًا عن شخصيات تربطها صلات وثيقة بعائلته، وفي مقدمتها صهره جاريد كوشنر.

ورغم أن الرؤساء الأمريكيين درجوا، عبر أجيال متعاقبة، على تعيين مقربين منهم مبعوثين خاصين أو سفراء في العواصم الأكثر جاذبية، مثل لندن وباريس، بل إن بعض هؤلاء حقق نجاحًا دبلوماسيًا ملحوظًا، فإن هذا النهج كان يقترن دائمًا بالاعتماد على دبلوماسيين محترفين ذوي خبرة.

ويشير نيك بيرنز إلى أن إنشاء السلك الدبلوماسي الأمريكي عام 1924 جاء أساسًا لإنهاء "نظام المحسوبية وتقاسم الغنائم" الذي طبع القرن التاسع عشر، وإحلال الكفاءة والخبرة المهنية محله. ويرى أن العودة إلى ذلك النهج القديم تضعف قدرة الولايات المتحدة على فهم العالم والتعامل مع تعقيداته.

ويضيف: "جرى فصل كثير من أكثر دبلوماسيينا خبرة بصورة مفاجئة. واليوم لم يعد هناك دبلوماسيون مهنيون داخل الغرف التي تُتخذ فيها القرارات... وهذا خطأ استراتيجي ألحقناه بأنفسنا."

في المقابل، ترى إدارة ترامب أن معظم هذه الانتقادات تعكس عقلية لم تعد تواكب طبيعة العالم المعاصر. فبحسب مسؤوليها، لم تعد البرقيات الدبلوماسية التي تنقل أجواء العواصم الأجنبية أو تحلل أوضاعها السياسية تحظى بالأهمية التي كانت تتمتع بها في الماضي، في عصر تهيمن عليه وسائل التواصل الاجتماعي، ودورات الأخبار المتواصلة، والاتصالات المباشرة بين القادة.

ويقول أحد كبار مسؤولي الإدارة:

"أصبحت وظيفة السفارة اليوم تتمثل، قبل كل شيء، في أن تكون مركزًا لوجستيًا يدعم تنفيذ السياسة الخارجية."

وفي هذا المناخ، لم يعد الدبلوماسيون الأمريكيون يواجهون التجاهل من الإدارة فحسب، بل من أطراف خارجية أيضًا. ويقول دبلوماسي أمريكي سابق:

"الدبلوماسيون المهنيون الذين أتحدث إليهم يقضون وقتهم في قراءة الصحف أو في إعداد مذكرات لا تصل إلى أي جهة مؤثرة."

ويقر دبلوماسيون يمثلون حلفاء الولايات المتحدة، من أوروبا والشرق الأوسط إلى شرق آسيا، بأنهم باتوا يركزون اتصالاتهم على الدائرة المقربة من ترامب ومبعوثيه، بدلًا من مسؤولي وزارة الخارجية الذين كانوا يمثلون قنوات التواصل التقليدية.

ولا يرجع هذا التحول إلى انتقال مركز النفوذ السياسي فحسب، بل أيضًا إلى أن الدبلوماسيين الأمريكيين أنفسهم قد لا يمتلكون فهمًا أعمق لتوجهات ترامب الخارجية من نظرائهم الأجانب، فضلًا عن أنهم أصبحوا أكثر ميلًا إلى الرقابة الذاتية.

ويقول الدبلوماسي الأمريكي السابق إن الدبلوماسيين المهنيين ما زالوا يلتقون المسؤولين الأجانب، لكنهم أصبحوا "شديدي الحذر" فيما يقولونه.

ويضيف: "نواب رؤساء البعثات والسفراء لم يعودوا يرفعون تقارير دبلوماسية حقيقية كما في السابق، بل أصبحوا يختارون كلماتهم بعناية شديدة في كل ما يرسل إلى واشنطن."

أما ماركو روبيو، الذي يجمع بين منصبي وزير الخارجية ومستشار الأمن القومي للرئيس، فيقضي معظم وقته في البيت الأبيض، حيث تُتخذ القرارات الأساسية، أكثر مما يقضيه في مقر الوزارة في فوغي بوتوم. ويعزز ذلك الانطباع، داخل الوزارة وخارجها، بأن وزارة الخارجية تخوض معركة دفاعية، إن لم تكن قد فقدت بالفعل كثيرًا من نفوذها.

ويختتم أحد كبار الدبلوماسيين السابقين الصورة بتشبيه لافت:

"ما تتعرض له وزارة الخارجية يشبه حصارًا في العصور الوسطى؛ في البداية تُقصف المدينة بالمدافع، ثم تُنثر الأملاح في الحقول حتى يستحيل عليها أن تستعيد حياتها من جديد."

تحول ثقافي

إذا كان هناك أمر يجمع بين الدبلوماسيين المخضرمين وأنصار حركة "لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا" (MAGA)، فهو الإقرار بأن وزارة الخارجية الأمريكية تمر اليوم بتحول ثقافي عميق.

فقد تحرك فريق ترامب بسرعة لفرض رؤيته القائمة على شعار "أمريكا أولًا" داخل وزارة يعتبرها منحازة إلى الليبراليين، ومعادية لتوجهات الإدارة، ومعتادة على تسريب المعلومات إلى وسائل الإعلام. وفي أروقة الوزارة، لا يبدو أن الدافع هو الإصلاح وحده، بل إن روح الانتقام لا تقل حضورًا عن روح التغيير.

ويقول أحد كبار مسؤولي إدارة ترامب:

"كان هناك كثيرون يعتقدون أنهم هم من يصنعون السياسة الخارجية، ولذلك كانوا يكثرون من الاعتراض وإبداء المخالفات. وكان من الصعب جدًا إنجاز أي شيء، وفي النهاية لا تحصل إلا على مذكرة بيروقراطية باهتة ومليئة بالتحفظات."

في المقابل، يؤكد الدبلوماسيون المهنيون أنهم لطالما نظروا إلى أنفسهم باعتبارهم موظفين عموميين غير منحازين سياسيًا، ويحذرون من أن الوزارة أصبحت تعيش أجواء يسودها الخوف، حيث بات كثيرون يشعرون بأنهم "يراقبون ما وراء ظهورهم" خشية أن يكونوا موضع اختبار لقياس مدى ولائهم لرؤية حركة  MAGA "لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا".

ويقول أحد كبار مسؤولي إدارة ترامب إن ماركو روبيو، فور توليه منصب وزير الخارجية، دخل الوزارة وأعلن: "بهذه الطريقة، لا يمكن للمؤسسة أن تستمر."

ويرفض نيك بيرنز اتهام حلفاء ترامب بأن وزارة الخارجية تحولت إلى ما يشبه منبر يطغى عليه الصوت الليبرالي.

ويقول: "حرصنا، طوال العقود التي أمضيتها في الوزارة، على إيجاد بيئة يستطيع فيها الموظفون التعبير عن آرائهم ومجادلة السياسات عندما يرون أنها خاطئة. وكان مبدأنا واضحًا: بعد أن يُتخذ القرار، يؤدي الجميع التحية ويلتزمون بتنفيذه."

أما بيل بيرنز، فيلفت الانتباه إلى ما يصفه بالتركيز الجديد داخل الوزارة على مفهوم "الولاء"، ويرى أن هذا المفهوم بات يعني عمليًا فحص الميول السياسية للموظفين، بدءًا من إجراءات التعيين، ومرورًا بالترقيات، وانتهاءً بتقييم الأداء.

ويقول: "أعتقد أن هذا توجه غير صحي على الإطلاق. فعلى الرغم من جميع عيوب وزارة الخارجية، كانت تجربتي معها تؤكد أن الموظفين يتركون انتماءاتهم السياسية خارج باب المؤسسة."

ويضيف: "وعندما تبدأ في اقتلاع هذه الثقافة من نفوس العاملين، فإنك تنتهي إلى تقليد كثير من الأنظمة السلطوية التي ترهب الموظفين العموميين المهنيين، وهو ما يقود في النهاية إلى اتخاذ قرارات سيئة."

وخلال معظم القرن العشرين والعقد الأول من القرن الحادي والعشرين، كانت عمليات انتقال السلطة بين وزراء الخارجية الجمهوريين والديمقراطيين تتم بسلاسة نسبية، ليس أقلها لأن الحزبين كانا يتقاسمان رؤية عامة متقاربة بشأن دور الولايات المتحدة في العالم.

غير أن صعود جناح "أمريكا أولًا" وهيمنته على الحزب الجمهوري غيّر هذه المعادلة.

وأصبحت زمالة بنجامين فرانكلين (Ben Franklin Fellowship) محورًا رئيسًا للجدل الداخلي حول هذا التحول. فقد تأسست هذه المجموعة قبل عامين، وتضم دبلوماسيين محافظين حاليين وسابقين، وتعلن صراحة أن هدفها هو تعزيز الأفكار المحافظة، واستقطاب الكوادر، ودعم تعيين المحافظين داخل وزارة الخارجية.

ويقول مات بويس، أحد مؤسسيها، والذي التحق بوزارة الخارجية في ثمانينيات القرن الماضي خلال رئاسة رونالد ريغان:

"على مدى العقود الثلاثة الماضية، انحرفت الوزارة تدريجيًا نحو اليسار. بدأ ذلك في عهد بيل كلينتون، ثم تسارع بصورة كبيرة خلال إدارة بايدن."

ويضرب مثالًا على ذلك بتوسع الاهتمام، خلال إدارتي باراك أوباما وجو بايدن، ببرامج التنوع والمساواة والشمول، فضلًا عن اتساع برامج الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID)، والتي يرى أنها "لم تكن تخدم المصلحة الوطنية الأمريكية."

ويضيف: "كان هناك كثير من الجوانب الإيجابية داخل الوزارة، لكن الأجواء والسياسات كانت تميل تدريجيًا نحو اليسار. وإذا كنت ليبراليًا فلن تلاحظ ذلك، أو ستعتبره أمرًا طبيعيًا. أما إذا كنت تنتمي إلى نصف الأمريكيين الذين لا يصنفون أنفسهم تقدميين أو ليبراليين، فستقول: انتظروا قليلًا... نحن نسير في الاتجاه الخطأ."

ويؤكد بويس أن زمالة بنجامين فرانكلين ليست تنظيمًا خاصًا بأنصار ترامب، بل شبكة واسعة تضم أطيافًا مختلفة من المحافظين.

ويقول: "لدينا أعضاء من أنصار ريغان، وليبرتاريون، ومؤيدون لشعار "أمريكا أولًا"، وآخرون كانوا يؤيدون جون ماكين. والقاسم المشترك بينهم جميعًا أنهم ليسوا ليبراليين."

ويضيف أن عددًا من أعضاء المجموعة فقدوا وظائفهم أيضًا نتيجة إجراءات التقليص الأخيرة.

لكن الدبلوماسيين المهنيين ينظرون بقلق إلى هذه الجماعة، معتبرين أنها أصبحت جزءًا من الثقافة الجديدة داخل الوزارة، وأنها تؤدي دورًا في مراقبة التوجهات السياسية للموظفين.

ويقول دبلوماسي أمريكي سابق إن بعض السفراء باتوا يُسألون عن مواقفهم من أحداث اقتحام مبنى الكابيتول في السادس من يناير/كانون الثاني 2021 على يد أنصار ترامب.

أما يائيل ليمبرت، السفيرة السابقة لدى الأردن، فتقول:

"هناك شعور واضح بأن ثمة مراقبين سياسيين في كل مكان. ولم يسبق أن ساد هذا المستوى من الخوف، حيث يخشى الموظفون أن يُفسر أي نقد أو طرح بديل للسياسات على أنه علامة على عدم الولاء، بما قد يعرّضهم لفقدان وظائفهم."

في المقابل، لا يبدي مات بويس تعاطفًا مع هذه المخاوف. ويقول: "بعض موظفي السلك الدبلوماسي يحاولون الدفاع عن إرثهم، بينما يطلق آخرون مزاعم لا أساس لها عن تعرضهم للتمييز."

ويضيف: "من المثير للسخرية أن يتحدث أشخاص ظلوا في موقع النفوذ لعقود عن تعرضهم للتمييز. نحن في زمالة بنجامين فرانكلين ندعم بقوة جهود الإدارة لإعادة سفينة الدولة إلى المسار الذي ينبغي أن تكون عليه."

لا عودة إلى الماضي

إلى أي مدى ينبغي لخصوم ترامب أن يسعوا إلى إعادة وزارة الخارجية الأمريكية إلى صورتها السابقة؟ سيكون هذا أحد أبرز الأسئلة التي سيواجهها الحزب الديمقراطي إذا عاد إلى البيت الأبيض في انتخابات عام 2028.

ويقر عدد من مفكري السياسة الخارجية المقربين من الحزب بأن الدعوة إلى استعادة الدور الذي كانت تؤديه الولايات المتحدة، قبل وصول ترامب، بوصفها القوة المهيمنة على النظام الدولي، لم تعد خيارًا مقبولًا سياسيًا في الولايات المتحدة اليوم.

ويرى هؤلاء أن التحدي الحقيقي يتمثل في إعادة تصور الدبلوماسية الأمريكية بما يتلاءم مع الواقع الجديد. ويشيرون، على سبيل المثال، إلى أن الانكفاء الجزئي للولايات المتحدة عن الانخراط العالمي يبدو اتجاهًا يصعب التراجع عنه، الأمر الذي يجعل من الأصعب تبرير الكلفة الباهظة للإبقاء على الشبكة الدبلوماسية الواسعة التي تمتلكها واشنطن، حتى في وقت تبذل فيه الصين جهودًا مكثفة لتعزيز نفوذها وكسب تأييد دول الجنوب العالمي.

بل إن أحد الاستراتيجيين يرى أن الإدارة الديمقراطية المقبلة ينبغي أن تستفيد من الإصلاحات التي فرضها ترامب – رغم أنها كانت، بحسب وصفه، مدفوعة بدوافع خاطئة للغاية – لإعادة النظر في هيكل وزارة الخارجية وتكييفها مع متطلبات عالم أصبح قادته يتواصلون فيما بينهم مباشرة عبر تطبيق واتساب.

ويتفق عدد من الدبلوماسيين المخضرمين على أن وزارة الخارجية بلغت نقطة تحول تاريخية يصعب بعدها العودة إلى ما كان عليه الوضع سابقًا. ويذهب بيل بيرنز، المدير السابق لوكالة الاستخبارات المركزية، إلى أن وزارة الخارجية بصيغتها التقليدية قد لا تعود أبدًا.

ويقول: "خلال ولاية ترامب الأولى، كان الافتراض السائد أن وصول إدارة جديدة برؤية مختلفة، بعد أربع سنوات، سيكون كفيلًا بإصلاح جانب كبير من الأضرار واستعادة ما فُقد. أما هذه المرة، فنحن أمام تحدٍ يمتد أثره إلى جيل كامل."

ويضيف أن محاولة إحياء النموذج التقليدي لوزارة الخارجية ستكون خطأً في حد ذاتها، قائلًا: "إن أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه أي إدارة جديدة إذا تسلمت السلطة مطلع عام 2029 هو أن تتصور أن المشكلة يمكن حلها بمجرد إعادة عقارب الساعة إلى الوراء واستعادة الأوضاع التي كانت قائمة."

 

Comments