00:00:00
توقيت بغداد
2026يوليو22
الأربعاء
12 °C
بغداد، 12°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

بقلم السفير العراقي في طهران الدكتور ياسر عبدالزهراء الحجاج

العلاقات العراقية–الإيرانية.. رؤية للمستقبل

مع تسلمي مهامي سفيراً لجمهورية العراق لدى الجمهورية الإسلامية الإيرانية، يشرفني أن أمثل بلدي في دولة ترتبط معه بعلاقات تمتد جذورها عبر التاريخ والجغرافيا، وتستند إلى وشائج إنسانية وثقافية ودينية راسخة. وهي مناسبة للتأكيد على رؤية العراق لعلاقاته مع جواره الإقليمي، وفي مقدمته الجمهورية الإسلامية الإيرانية، باعتبارها علاقات تقوم على حسن الجوار، والاحترام المتبادل، والمصالح المشتركة.

لقد أثبتت التجارب أن استقرار المنطقة لا يمكن أن يتحقق إلا عبر التعاون والحوار وبناء الثقة بين دولها، وأن التنمية الاقتصادية أصبحت المدخل الأكثر رسوخاً لترسيخ الأمن والاستقرار. ومن هذا المنطلق، ينظر العراق إلى محيطه الإقليمي بوصفه عمقاً استراتيجياً وشريكاً أساسياً في صناعة مستقبل أكثر ازدهاراً لشعوب المنطقة.

وخلال السنوات الماضية، شهدت العلاقات العراقية–الإيرانية تطوراً مهماً في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، مستندة إلى إرث تاريخي وروابط شعبية عميقة. واليوم، تمتلك هذه العلاقة فرصاً كبيرة للانتقال إلى مرحلة أكثر تقدماً، تقوم على توسيع الشراكات الاقتصادية، وتشجيع الاستثمار، وتطوير التبادل التجاري، وتعزيز مشاريع الربط والنقل والطاقة، بما يحقق المصالح المتبادلة للبلدين.

وفي الوقت ذاته، يواصل العراق انتهاج سياسة خارجية متوازنة، تنطلق من ثوابته الوطنية، وتقوم على الانفتاح على الجميع، وعدم الانحياز إلى سياسة المحاور، والعمل على تقريب وجهات النظر بين الأشقاء والأصدقاء، إيماناً بأن الحوار هو السبيل الأمثل لمعالجة الخلافات، وأن التعاون الإقليمي يمثل الضمانة الحقيقية لأمن المنطقة واستقرارها.

وعلى هذا الأساس يمتلك العراق رصيداً مهماً من القوة الناعمة، يستند إلى مكانته الحضارية، وعلاقاته التاريخية، وروابطه الاجتماعية والثقافية والدينية مع محيطه، وهو ما يؤهله للقيام بدور إيجابي في دعم الاستقرار وتعزيز التفاهم الإقليمي.

وتأتي العلاقة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية في صدارة هذه الأولويات، نظراً لما تمثله من أهمية سياسية واقتصادية واجتماعية. ومن هنا فإن مهمتي في طهران تتمثل في العمل على تطوير العلاقات الثنائية وفق رؤية عراقية واضحة، تقوم على الاحترام المتبادل، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، وتوسيع مجالات التعاون بما يحقق مصالح البلدين والشعبين الصديقين.

وفي هذا الإطار، تكتسب الزيارة المرتقبة لدولة رئيس مجلس الوزراء العراقي الاستاذ علي الزيدي إلى طهران أهمية خاصة، فهي تعكس حرص العراق على تطوير العلاقات الثنائية، وتوسيع آفاق الشراكة، وتعزيز التنسيق في القضايا ذات الاهتمام المشترك، كما تؤكد استمرار النهج العراقي القائم على الحوار والانفتاح وبناء الثقة.

وقد استطاع العراق خلال السنوات الأخيرة أن يعزز حضوره الإقليمي والدولي من خلال ترسيخ مؤسسات الدولة، وتبني سياسة خارجية متوازنة، وتوظيف علاقاته الدولية والإقليمية لخدمة التنمية والاستقرار، الأمر الذي أسهم في تعزيز مكانته كشريك موثوق وقادر على بناء جسور التواصل بين مختلف الأطراف.

ولا تقتصر قوة العلاقات العراقية–الإيرانية على الأبعاد الرسمية فحسب، بل تستند أيضاً إلى عمق الروابط بين الشعبين، بما يحمله الإرث الحضاري المشترك من قيم إنسانية وثقافية ودينية راسخة. وقد تجلت هذه الروابط بوضوح في المواقف الإنسانية المتبادلة خلال مختلف المناسبات، وكان من أبرزها المشاركة الواسعة للجماهير العراقية في مراسم تشييع المرجع الشهيد آية الله السيد علي خامنئي التي أُقيمت في العراق، وما عكسته تلك المشاركة من مشاعر الاحترام والتقدير وعمق التواصل الشعبي بين البلدين. كما تمثل زيارة الأربعين في كل عام واحدة من أبرز صور هذا التقارب، حيث تجسد معاني التآخي والتكافل والتواصل الحضاري، وتؤكد أن العلاقات العراقية–الإيرانية لا تقوم على المصالح المشتركة فحسب، وإنما تستند أيضاً إلى قاعدة شعبية واجتماعية وثقافية راسخة تمنحها الاستمرارية والخصوصية.

إن مستقبل العلاقات العراقية–الإيرانية ينبغي أن يُبنى على استثمار عناصر القوة التي تجمع البلدين، وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي والثقافي، وتعزيز الحوار السياسي، بما يخدم مصالح الشعبين، ويسهم في ترسيخ الأمن والاستقرار الإقليمي. وهذه هي الرسالة التي أحملها وأنا أتشرف بتمثيل جمهورية العراق في طهران، رسالة تؤمن بأن حسن الجوار ليس مجرد مبدأ في السياسة الخارجية، بل خيار استراتيجي لبناء مستقبل أكثر استقراراً وازدهاراً للمنطقة بأسرها.

Comments