00:00:00
توقيت بغداد
2026يوليو25
السبت
12 °C
بغداد، 12°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

الناشر: Horn Review - ترجمة: فيصل عبد اللطيف

كيف تغيّرت حسابات التطبيع بين السعودية وإسرائيل؟

شهدت الآونة الأخيرة تبادلات علنية غير معتادة أعادت إحياء التكهنات بشأن العلاقات السعودية–الإسرائيلية. فقد صرّح الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ لقناة العربية بأن التقارب مع المملكة لا يزال «حلمه»، وأشاد بولي العهد الأمير محمد بن سلمان، في حين ظهر ضابط سعودي سابق رفيع في القوات الجوية على شاشة تلفزيون إسرائيلي. وجاءت هذه التطورات في ظل تجدد هجمات الحوثيين على الأراضي السعودية، واستمرار هشاشة التوازنات الإقليمية بعد الحرب الإيرانية.

إلا أن هذه المؤشرات هي ابعد ما يكون من اقتراب حدوث تطبيع وشيك، بقدر ما تعبّر عن استراتيجية سعودية أوسع تهدف إلى الحفاظ على النفوذ الإقليمي، وتنويع الشراكات الدبلوماسية، وربط أي اتفاق مع إسرائيل بإحراز تقدم ملموس في القضية الفلسطينية. كما تعكس تصاعد التنافس حول تصورات النفوذ الإقليمي، ولا سيما مع توسع الحضور الاستراتيجي الإسرائيلي في البحر الأحمر والقرن الأفريقي ومنطقة الشرق الأوسط الأوسع.

شهدت العلاقات السعودية–الإسرائيلية تحولاً تدريجياً من العداء المباشر، الذي تعود جذوره إلى الحرب العربية–الإسرائيلية عام 1948، إلى انخراط حذر تحكمه المصالح المشتركة، قبل أن تتراجع مجدداً إلى مرحلة من التوتر الدبلوماسي والعداء العلني في أعقاب حرب غزة وتداعياتها الإقليمية. فقد دعمت المملكة التحالفات العربية في حرب الأيام الستة عام 1967، ثم في حرب أكتوبر (حرب يوم الغفران) عام 1973.

كما أيّدت قرار قمة الخرطوم الذي عُرف بـ«اللاءات الثلاث»: لا صلح، ولا اعتراف، ولا تفاوض مع إسرائيل. وقد عكس هذا الموقف تضامن المملكة مع الفلسطينيين، إلى جانب دورها بوصفها حاضنة الحرمين الشريفين، وهو ما شكّل أحد المرتكزات الأساسية للدبلوماسية السعودية لعقود.

وفي عام 2002، طرح ولي العهد آنذاك الأمير عبد الله مبادرة السلام العربية، التي اعتمدتها لاحقاً جامعة الدول العربية بوصفها إطاراً شاملاً لتسوية الصراع. وربطت المبادرة التطبيع الكامل بين الدول العربية وإسرائيل بانسحاب إسرائيل إلى حدود عام 1967، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة تكون القدس الشرقية عاصمتها.

وقد عززت هذه المبادرة مكانة المملكة بوصفها لاعباً رئيسياً في الدبلوماسية العربية، لكنها في الوقت نفسه أرست معياراً صارماً لم تتمكن الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة من تلبيته. ولا تزال هذه المواقف التاريخية تؤثر في الخطاب السعودي، شعبياً ورسمياً، إذ تواصل المملكة ربط أي تطبيع مع إسرائيل بتحقيق تقدم ملموس نحو إقامة الدولة الفلسطينية، فضلاً عن مراعاة المتغيرات الإقليمية التي برزت في السنوات الأخيرة.

كان الإدراك المشترك لإيران بوصفها تهديداً إقليمياً أحد أبرز الدوافع التي شجعت على التقارب بين السعودية وإسرائيل. فقد تعرضت المملكة لهجمات الحوثيين، بما في ذلك الهجوم على منشآت أرامكو عام 2019، فضلاً عن استمرار الهجمات خلال يوليو/تموز 2026. وفي المقابل، واجهت إسرائيل هي الأخرى تحديات مرتبطة بالطموحات النووية الإيرانية، وبرامج الصواريخ، وشبكة الوكلاء الإقليميين المدعومين من طهران، ومن بينهم الحوثيون.

وقد أسهمت هذه التهديدات المشتركة في تعزيز التنسيق الاستخباراتي والأمني غير المعلن بين الجانبين حتى قبل أن تتصاعد النقاشات العلنية بشأن العلاقات الثنائية. وفي بعض الأحيان، سمحت السعودية للطائرات الإسرائيلية بعبور مجالها الجوي، كما شاركت في قنوات اتصال خلفية، بما عُدّ مؤشراً على قبول ضمني بإمكانية تطوير العلاقات.

وخلال عامي 2019 و2020، أجرت السعودية وإسرائيل محادثات غير رسمية بشأن إمكان تطبيع العلاقات. ثم جاء توقيع اتفاقيات أبراهام بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة والبحرين في سبتمبر/أيلول 2020 ليغيّر المشهد الدبلوماسي الإقليمي، ويؤسس إطاراً كان يُتوقع أن تنضم إليه السعودية في مرحلة لاحقة.

وقد أُبرمت هذه الاتفاقيات بوساطة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب خلال ولايته الأولى، وأسفرت عن تطبيع العلاقات بين إسرائيل وعدد من الدول العربية، من بينها المغرب والسودان، كما أرست سابقة سمحت للدول العربية بإقامة علاقات مع إسرائيل دون اشتراط التوصل إلى تسوية شاملة للقضية الفلسطينية. وفي أعقاب الاتفاقيات، تسارعت الاتصالات السعودية–الإسرائيلية بوساطة أمريكية مباشرة، وبدأت تحظى باهتمام علني متزايد.

ومن منظور استراتيجي، كانت الرياض ترى أن التطبيع مع إسرائيل يمكن أن يسرّع تنفيذ رؤية السعودية 2030، عبر الجمع بين الموارد المالية والطموحات التنموية السعودية من جهة، والقدرات الإسرائيلية في مجالي التكنولوجيا والأمن من جهة أخرى، في إطار شراكة تحظى بدعم وضمانات استراتيجية أمريكية.

وكان يُنظر أيضاً إلى إبرام اتفاق أمريكي بشأن برنامج نووي مدني سعودي بوصفه أحد أهم المكاسب التي يمكن أن تحققها المملكة مقابل التطبيع. غير أن تقريراً حديثاً لصحيفة وول ستريت جورنال أشار إلى أن إدارة ترامب وافقت على الاتفاق النووي مع السعودية من دون اشتراط إتمام التطبيع مع إسرائيل، وهو ما قد يقلل من أحد أبرز الحوافز التي كانت تدفع الرياض نحو هذا المسار.

أما بالنسبة لإسرائيل، فإن التطبيع مع السعودية كان سيمنحها شرعية سياسية أوسع ويعزز اندماجها في النظام الإقليمي، إلى جانب فتح المجال أمام إنشاء منظومات متكاملة للدفاع الجوي والصاروخي بين الطرفين. ومع ذلك، فإن التقارب السعودي–الإيراني الذي جرى بوساطة صينية عام 2023 أضفى بعداً أكثر تعقيداً على المشهد. فبينما أسهم في خفض مستوى التوتر المباشر مع طهران ومنح الرياض هامشاً دبلوماسياً أوسع، فإنه غيّر أيضاً الاعتبارات السياسية المرتبطة بالاصطفاف الوثيق مع إسرائيل تحت المظلة الأمريكية.

حتى اندلاع الحرب في غزة، انتهجت السعودية سياسة تقارب تدريجي ومدروس مع إسرائيل. وبحلول سبتمبر/أيلول 2023، بدا أن الطرفين يقتربان من إبرام اتفاق تطبيع كان من شأنه أن يشكل تحولاً استراتيجياً يعيد رسم ملامح الشرق الأوسط. إلا أن المسؤولين السعوديين أوضحوا آنذاك أن المملكة لن تكتفي باتباع نموذج دولة الإمارات العربية المتحدة والانضمام إلى اتفاقيات أبراهام، بل ستتبنى مساراً مستقلاً ينسجم مع مكانتها باعتبارها الدولة العربية الأكثر تأثيراً في المنطقة.

وخلال تلك المرحلة، أكد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان التزام المملكة الثابت بالقضية الفلسطينية وبحل الدولتين، معتبراً ذلك الشرط الأساسي لأي تطبيع مع إسرائيل. كما أعاد التأكيد على هذا الموقف خلال زيارته إلى البيت الأبيض ولقائه الرئيس دونالد ترامب في المكتب البيضاوي، حيث شدد على أن أي اتفاق للتطبيع يجب أن يقترن بإحراز تقدم حقيقي وملموس على المسار الفلسطيني.

غير أن حرب غزة غيّرت الحسابات الإقليمية بصورة جوهرية، إذ دفعت مسار التطبيع إلى حافة التجميد، ما دفع الرياض إلى تعليق المحادثات التي كانت تجري بوساطة أمريكية بشأن تطبيع العلاقات مع إسرائيل. وأمام موجة الغضب الشعبي الواسعة التي أثارتها الحرب، وجدت السعودية نفسها مضطرة إلى تبني موقف أكثر تحفظاً وتشديد الشروط المطلوبة لأي اتفاق محتمل في المستقبل.

كما تركت المواجهة الإسرائيلية–الإيرانية التي استمرت اثني عشر يوماً عام 2025، ثم الحرب الأوسع مع إيران التي تصاعدت في مطلع عام 2026، آثاراً إضافية على ميزان القوى الإقليمي وآفاق التطبيع. فقد انتقدت السعودية الحملة العسكرية، مؤكدة أنها لم تُستشر بشأنها، كما أعلنت رفضها استخدام أراضيها في أي عمليات عسكرية مرتبطة بها. ورغم أن هذه المواجهات ربما أضعفت بعض القدرات الإيرانية، فإنها في الوقت نفسه كشفت حجم المخاطر غير المباشرة التي قد تتعرض لها المملكة، وأثارت تساؤلات حول ما إذا كانت العلاقات الوثيقة مع إسرائيل قد تزيد من مستوى التهديدات الأمنية بدلاً من الحد منها.

وفي المقابل، أظهرت الحرب قدرة إيران على امتصاص ضغوط عسكرية مكثفة مع الاحتفاظ بقدرتها على الرد، بما يؤكد استمرار دورها المحوري في تشكيل معادلات الأمن في منطقة الخليج. كما دفعت هذه التطورات دول المنطقة إلى إعادة تقييم مدى موثوقية الضمانات الأمنية الأمريكية، بعدما تعرضت لهجمات إيرانية واسعة النطاق، الأمر الذي قوّض الافتراضات السابقة بأن الاصطفاف مع الولايات المتحدة وإسرائيل من شأنه أن يعزز الأمن السعودي تلقائياً.

وظلت الوساطة الأمريكية عاملاً محورياً، وإن اتسمت بالتعقيد. ففي عهد الرئيس الأمريكي السابق جو بايدن، استكشفت واشنطن والرياض إمكانية التوصل إلى اتفاق شامل يجمع بين تقديم ضمانات أمنية للسعودية، وتطبيع العلاقات مع إسرائيل، ووضع مسار يقود إلى إقامة دولة فلسطينية. وكانت المملكة تسعى، في مقابل التطبيع، إلى الحصول على ضمانات أمنية ومزايا استراتيجية أخرى من الولايات المتحدة.

ومع عودة الرئيس دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، اكتسبت جهود التطبيع زخماً جديداً، ولكن ضمن مقاربة مختلفة. فقد ربط ترامب الصراع مع إيران بمشروع أوسع يهدف إلى توسيع اتفاقيات أبراهام لتشمل مزيداً من الدول العربية والإسلامية. ودعا عدداً من الدول العربية، بما في ذلك السعودية وقطر، إلى الانضمام إلى الاتفاقيات في إطار تسوية أوسع مع إيران، بل ذهب إلى حد ربط المفاوضات الخاصة بإنهاء الحرب مع إيران بقيام تلك الدول بإقامة علاقات دبلوماسية رسمية مع إسرائيل.

كما أشار إلى أن الانضمام إلى اتفاقيات أبراهام ينبغي أن يكون شرطاً أساسياً لعدد من الدول العربية والإسلامية ضمن تصوره لإنهاء الحرب، موضحاً أنه أجرى اتصالات مع قادة السعودية والبحرين وقطر وباكستان وتركيا ومصر والأردن، وحثهم على تطبيع العلاقات مع إسرائيل عقب التوصل إلى اتفاق محتمل لإنهاء الحرب مع إيران.ومع ذلك،  فإن استئناف الأعمال العسكرية بعد توقيع مذكرة التفاهم كشف أن العديد من القضايا الجوهرية بقيت من دون معالجة، وهو ما يعكس هشاشة التفاهمات القائمة ويزيد من تعقيد فرص المضي قدماً في مسار التطبيع السعودي–الإسرائيلي.

كان السيناتور الأمريكي الراحل ليندسي غراهام يرى أن التطبيع بين إسرائيل والسعودية يمكن أن يشكل «الجائزة الكبرى» الناتجة عن الحرب مع إيران. وقد عمل غراهام على مبادرة جديدة تهدف إلى التوسط للتوصل إلى اتفاق تطبيع تاريخي، انطلاقاً من اعتقاده بأن الحرب مع إيران أوجدت فرصة سانحة أمام الرئيس دونالد ترامب لرعاية مثل هذا الاتفاق. وكان يعتزم إطلاق تحرك دبلوماسي مكثف عقب الانتخابات الإسرائيلية في أكتوبر/تشرين الأول والانتخابات النصفية الأمريكية، بهدف التوصل إلى اتفاق قبل أداء الكونغرس الأمريكي الجديد اليمين الدستورية في يناير/كانون الثاني.

إلى جانب ذلك، أسهمت التطورات التي سبقت الحرب في تصعيد التنافس داخل الخليج وعلى مستوى الإقليم. فقد باتت السعودية تنظر إلى التقارب الوثيق بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة باعتباره عاملاً يخل بالتوازنات الإقليمية ويتحدى الدور القيادي التقليدي للمملكة في المنطقة. ويتجلى هذا التنافس بصورة خاصة في البحر الأحمر والقرن الأفريقي، حيث أثار اعتراف إسرائيل بأرض الصومال (صوماليلاند) معارضة حادة من السعودية ومن ائتلاف واسع من الدول العربية. وأدانت الرياض هذه الخطوة، معتبرةً إياها انتهاكاً لسيادة الصومال ووحدة أراضيه، كما تحركت عبر منظمة التعاون الإسلامي لرفضها بوصفها سابقة خطيرة.

وفي المقابل، عززت السعودية تعاونها الدفاعي مع الصومال، ووطدت التنسيق مع مصر وقطر، ووسعت اتصالاتها مع باكستان، بالتوازي مع تحسين علاقاتها مع تركيا، التي كانت حتى وقت قريب منافساً إقليمياً، وتتمتع باستثمارات ونفوذ كبيرين في الصومال. وتهدف هذه التحركات إلى موازنة النفوذ الذي ترى الرياض أن إسرائيل والإمارات تسعيان إلى ترسيخه في المناطق البحرية الاستراتيجية، والحفاظ على نظام إقليمي في البحر الأحمر يتوافق مع الرؤية السعودية.

وتنظر الرياض إلى التحركات الإسرائيلية في الإقليم الأوسع باعتبارها جزءاً من استراتيجية أشمل تهدد النفوذ السعودي وتؤثر في استقرار المنطقة. وقد أسهم ذلك في تسريع عملية إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، بحيث أصبحت السعودية وإسرائيل، في عدد متزايد من الملفات، تقفان على طرفي نقيض. كما قد تتحول الاستراتيجية الإسرائيلية في البحر الأحمر إلى مصدر إضافي للتوتر، ولا سيما في ظل تداخلها مع المساعي السعودية الرامية إلى رسم ملامح النظام الإقليمي. وتسعى المملكة إلى الحفاظ على توازنات البحر الأحمر بما ينسجم مع النظام الإقليمي الذي تعمل على صياغته وترسيخ نفوذها في إطاره.

أدت المحصلة التراكمية لهذه التطورات إلى زيادة كبيرة في تعقيد مسار التطبيع السعودي–الإسرائيلي. فقد أصبحت الالتزامات التاريخية للمملكة تجاه القضية الفلسطينية تتداخل مع الشكوك الأمنية التي أفرزتها الحروب الأخيرة، وطموحات الوساطة الأمريكية، وتصاعد التنافس الإقليمي في مناطق استراتيجية مثل البحر الأحمر والقرن الأفريقي. كما أن الاستراتيجية السعودية، وسعيها إلى ترسيخ دورها القيادي، وإصرارها على تحقيق تقدم جوهري في القضية الفلسطينية قبل أي تطبيع، ترفع سقف الشروط اللازمة للتوصل إلى اتفاق.

ورغم استمرار وجود حوافز تدفع نحو التقارب، مثل متطلبات تنفيذ رؤية السعودية 2030 واستمرار المخاوف من التهديدات الإيرانية، فإن العقبات الرئيسة لا تزال قائمة. فالقضايا العالقة المرتبطة بإيران، وتصاعد المنافسة بين القوى العربية، وتراجع الثقة في موثوقية الضمانات الأمنية الأمريكية، كلها عوامل تجعل مستقبل التطبيع أكثر غموضاً وصعوبة في التنبؤ.

ومن ثم، فإن أي اختراق مستقبلي لن يقتصر على معالجة العلاقات الثنائية بين السعودية وإسرائيل، بل سيتطلب أيضاً التوفيق بين رؤيتيهما المتنافستين بشأن شكل النظام الإقليمي الذي يسعى كل منهما إلى ترسيخه، الأمر الذي يجعل عملية التطبيع أكثر تعقيداً مما كانت عليه في أي مرحلة خلال السنوات الأخيرة. ومن المرجح أن يزداد هذا التعقيد إذا استمرت الحرب مع إيران لفترة أطول، إذ سيؤدي ذلك إلى تأجيل فرص التوصل إلى اتفاق تطبيع.

 

Comments