00:00:00
توقيت بغداد
2026يوليو30
الخميس
12 °C
بغداد، 12°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

بقلم: فيض الله تونا أيغون - باحث وكاتب تركي متخصص في الشؤون العراقية والإقليمية

السياسة الخارجية للزيدي: من سياسة التوازن إلى تنويع الشراكات في مناطق المخاطر

أعقبت زيارة رئيس الوزراء العراقي علي الزيدي إلى الولايات المتحدة، التي بدأت في 13 تموز/يوليو 2026، زيارةً إلى إيران في 23 تموز/يوليو، وهو ما يمكن اعتباره استمراراً لسياسة التوازن التي تنتهجها بغداد بين الولايات المتحدة وإيران. إلا أن مضمون الزيارتين لا يعني أن الحكومة العراقية تقف على مسافة متساوية من القوتين، أو أنها تمتلك نمط العلاقة ذاته مع كل منهما.

فبغداد تحاول تقليل اعتمادها على دولة واحدة أو مسار واحد في ملفات الطاقة والأمن والنقل والتمويل، عبر تطوير أكثر من شريك ضمن الملف نفسه. وتشكل هذه السياسة نهجاً يقوم على تنويع الشراكات وتوزيع المخاطر التي قد تواجه العراق، بدلاً من توزيع الأهداف المختلفة بشكل حاسم بين عواصم بعينها.

البعد الاقتصادي في زيارة الولايات المتحدة

أظهرت زيارة الزيدي إلى الولايات المتحدة البعد الاقتصادي لهذه المقاربة بوضوح. فقد ضم الوفد العراقي وزراء الخارجية والمالية والنفط والكهرباء والتجارة، إضافة إلى ممثلين عن البنك المركزي والأجهزة الأمنية واللجان البرلمانية، ما يؤكد أن المباحثات لم تقتصر على ملف الوجود العسكري الأمريكي.

وخلال الزيارة، وقعت مؤسسات عراقية من القطاعين العام والخاص 48 اتفاقية ومذكرة تفاهم في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتجارة والتمويل. كما أعلن وزير النفط باسم محمد خضير أن محفظة مشاريع الطاقة الأوسع قد تصل قيمتها إلى نحو 200 مليار دولار.

وتكشف القطاعات التي برزت في التعاون العراقي–الأمريكي عن الطريقة التي ترغب بغداد في إعادة تعريف علاقتها مع واشنطن. فحكومة الزيدي تضيف إلى العلاقة التقليدية القائمة على التعاون العسكري والأمني شراكات طويلة الأمد في مجالات الاستثمار، وتكنولوجيا الطاقة، والتمويل، والصناعة.

كما يدعم هذا التوجه تصريح الزيدي بشأن استهداف إقامة شراكة استثمارية مع الولايات المتحدة تمتد 30 عاماً، وهو ما يعكس بوضوح رغبة الحكومة العراقية في إرساء علاقة اقتصادية دائمة ومستقرة.

الحرب الإقليمية وخسائر الصادرات النفطية

تكتسب الولايات المتحدة أهمية إضافية بالنسبة للعراق في ظل الخسائر التي تكبدها خلال الحرب الإقليمية، سواء في الصادرات النفطية أو الإيرادات العامة.

فقد أصدرت وزارة النفط، عقب تعطل الصادرات من الموانئ الجنوبية، توجيهات خلال اجتماع أزمة بضرورة إيجاد منافذ بديلة لتصدير النفط، الأمر الذي يدل على أن تنويع مسارات التصدير لم يعد مجرد خطة تنموية طويلة الأمد، بل تحول إلى ضرورة عاجلة في السياسة المالية.

إن أي توقف في مسار البصرة أو مضيق هرمز لا ينعكس على شركات النفط وحدها، بل يهدد أيضاً الرواتب، والخدمات العامة، وموازنة الاستثمار، نتيجة الأزمة المالية التي قد تنجم عن ذلك.

المسارات الإقليمية وزيارة إيران

في ظل هذه الظروف، تكتسب خطوط التصدير عبر جيهان التركية وبانياس السورية أهمية متزايدة لرفع قدرة العراق على تصدير النفط.

وتشير الأعمال الفنية الجارية بين العراق وسوريا لإعادة إنشاء خط أنابيب كركوك–بانياس إلى سعي بغداد لإيجاد منفذ غربي يصل إلى البحر المتوسط. أما إعادة تفعيل خط جيهان، فتعد خياراً أقرب على المدى القصير، لأنه يعتمد على البنية التحتية الشمالية القائمة بالفعل.

ورغم أن أيّاً من هذين المسارين لا يستطيع بمفرده أن يحل محل صادرات البصرة، فإن تشغيلهما معاً قد يوفر للعراق قدرة كافية للحفاظ على جزء كبير من إيراداته النفطية. كما أن استمرار التصدير عبر هذه الخطوط أثناء أي تعطل في البصرة من شأنه أن يوفر للعراق مستوى ملموساً من الأمن المالي.

أما زيارة الزيدي إلى إيران، فقد مثلت مساراً آخر جرى فيه تناول ملفات الترابط الاقتصادي والاحتياجات الأمنية في آن واحد.

وخلال لقائه الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، ناقش الجانبان ملفات التجارة والطاقة والصناعة والتمويل والزراعة، واتفقا على إعادة تفعيل اللجنة الاقتصادية المشتركة.

كما وقع الطرفان أربع وثائق تعاون شملت النقل الدولي للبضائع، والربط بالسكك الحديدية، والتعاون بين البلديات، والتدريب في مجال الإدارة العامة.

ويبرز بشكل خاص مشروع خط السكك الحديدية كرمانشاه – خسروي – خانقين – بغداد، الذي يعكس رغبة البلدين في نقل العلاقات الاقتصادية من مجرد التبادل التجاري إلى تطوير البنية التحتية المشتركة.

زيارة إيران والمسارات الإقليمية

في هذه الظروف، تكتسب خطوط الأنابيب عبر تركيا إلى ميناء جيهان، وعبر سوريا إلى ميناء بانياس، أهمية متزايدة في تعزيز قدرة العراق على تصدير النفط. وتشير الأعمال الفنية الجارية بين العراق وسوريا لإعادة تأهيل خط أنابيب كركوك–بانياس إلى سعي بغداد لفتح منفذ غربي يصل إلى البحر الأبيض المتوسط.

أما إعادة تفعيل خط جيهان، فتمثل خياراً أقرب على المدى القصير، نظراً لاعتمادها على البنية التحتية الشمالية القائمة. ورغم أن أياً من هذين المسارين لا يستطيع بمفرده تعويض صادرات البصرة، فإن تشغيلهما بالتوازي قد يمنح العراق قدرة كافية لحماية جزء مهم من إيراداته النفطية. ففي حال تعطل الصادرات عبر البصرة، يمكن للخطوط البديلة أن تحافظ على مستوى معين من التصدير، بما يوفر قدراً ملموساً من الأمان المالي للموازنة العراقية.

أما زيارة الزيدي إلى إيران، فمثّلت مساراً آخر جمع بين الاعتبارات الاقتصادية والاحتياجات الأمنية في آن واحد. وخلال لقائه بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، بحث الجانبان ملفات التجارة والطاقة والصناعة والتمويل والزراعة، واتفقا على إعادة تفعيل اللجنة الاقتصادية المشتركة.

كما جرى توقيع أربع وثائق تعاون في مجالات النقل الدولي للبضائع، وربط السكك الحديدية، والتعاون بين البلديات، والتدريب في الإدارة العامة. ويُعد مشروع خط السكك الحديدية كرمنشاه–خسروي–خانقين–بغداد مؤشراً على رغبة البلدين في نقل علاقتهما الاقتصادية من مستوى التجارة إلى مستوى البنية التحتية المشتركة.

في المقابل، برز البعد السياسي للزيارة في الملف الأمني، إذ أكد الزيدي أن الأراضي العراقية لن تُستخدم لتهديد إيران. إلا أن هذا الموقف لا يعني، بحسب الكاتب، انحياز بغداد إلى طهران، بل يعكس خشية الحكومة العراقية من انتقال الحرب إلى داخل أراضيها إذا استُخدمت البلاد منصة لاستهداف إيران أو المصالح الأميركية.

كما أن تنفيذ الاستثمارات التي أُعلن عنها خلال زيارة الولايات المتحدة، واستمرار عمل شركات الطاقة، وإنشاء مسارات تصدير بديلة، جميعها ترتبط بتوافر بيئة أمنية مستقرة.

وأثار تتابع الزيارتين، إلى واشنطن ثم طهران، تكهنات بأن الزيدي حمل رسالة أميركية بشأن وقف إطلاق النار إلى إيران. إلا أن الحكومة العراقية أكدت أن المباحثات اقتصرت على العلاقات الثنائية والمصالح الاقتصادية الإقليمية، وأن رئيس الوزراء لم ينقل أي مقترحات أميركية.

بدورها، نفت إيران هذه الادعاءات، كما نفى المبعوث الأميركي توم باراك صحة تلك الروايات. وبناءً على ذلك، يرى الكاتب أنه لا توجد معطيات كافية لاعتبار العراق وسيطاً رسمياً بين الطرفين، بل إن دوره يقتصر على الحد من تأثير الصراع على الاقتصاد والأمن العراقيين، وهو دور تفرضه الأضرار التي تلحق بالعراق وحاجته إلى الحفاظ على علاقاته مع الجانبين.

الفصائل المسلحة، واعتماد الطاقة، وحدود سياسة التنويع

يرى الكاتب أن أبرز حدود سياسة العراق في تنويع الشركاء تظهر في ملف الفصائل المسلحة. فقد أكد المتحدث باسم الحكومة أن حصر السلاح بيد الدولة قرار سيادي عراقي، في محاولة لنفي الاتهامات بأن هذا الملف يُدار بتوجيهات أميركية أو إيرانية.

لكن وجود روابط سياسية ولوجستية بين بعض الفصائل وإيران يجعل من الصعب فصل هذا الملف عن أبعاده الخارجية. كما أن دعم دول الخليج والأردن للجدول الزمني المحدد حتى 30 أيلول/سبتمبر الخاص بملف السلاح، يعكس تحوّل القدرات المسلحة داخل العراق إلى قضية أمن إقليمي.

وفي هذا السياق، كشفت العملية الأمنية التي استهدفت ورشة لتصنيع الطائرات المسيّرة في بغداد أن معالجة الملف لا يمكن أن تقتصر على التفاهم مع القيادات السياسية للفصائل. فقد أسفرت العملية عن اعتقال ثلاثة أشخاص، وضبط 25 هيكلاً لطائرات مسيّرة، وصفائح من ألياف الكربون، ومعدات تصنيع.

ورغم أن البيان الرسمي لم يسمِّ الجهة المالكة للورشة، وحتى مع عدم ثبوت ملكية الورشة بصورة قاطعة، يرى الكاتب أن من المنطقي اعتبارها تابعة لإحدى الجماعات التي لا تزال ترفض التخلي عن السلاح.

وتكمن أهمية هذه العملية، بحسب الكاتب، في أنها أظهرت أن التحدي الذي تواجهه الدولة لا يقتصر على وجود مقاتلين أو مقرات أو مخازن أسلحة ثقيلة، بل يمتد إلى ورش إنتاج صغيرة، وشبكات توريد، وقطع يتم الحصول عليها عبر قنوات تجارية مدنية، وهو ما يجعل عملية نزع السلاح أكثر تعقيداً من مجرد السيطرة على الفصائل المسلحة.

ومن ثم، فإن نجاح الجدول الزمني المحدد حتى 30 أيلول لن يُقاس بعدد الفصائل المنضمة إلى العملية فقط، وإنما بمدى قدرة الدولة على الحد من إمكانات الجهات غير الحكومية في إنتاج السلاح وإعادة تزويد نفسها به.

وفي قطاع الطاقة، يرى الكاتب أن سياسة تنويع الشركاء تتجلى أيضاً في ملف الكهرباء. فقد ربط وزير الكهرباء علي سعدي وهيب زيادة الإنتاج باستثمارات الشركات الأميركية، واستمرار استيراد الغاز الإيراني، إلى جانب مشاريع الربط الكهربائي مع السعودية والأردن وتركيا.

ويشير ذلك إلى أن بغداد لا تعتمد على شريك خارجي واحد، ولا تسعى إلى استبدال الغاز الإيراني بالاستثمارات الأميركية، بل تعمل على بناء منظومة متعددة الأطراف تجمع بين مختلف مصادر الطاقة والربط الإقليمي.

ويرى الكاتب أن هذا النموذج قد يمنح العراق قدراً من المرونة، لكنه لا يعني تلقائياً تقليص الاعتماد الخارجي، إذ إن نجاح مشاريع الطاقة الأميركية مرتبط بالوضع الأمني، واستمرار الغاز الإيراني مرتبط بالعلاقات السياسية، فيما تعتمد مشاريع الربط الكهربائي على البنية التحتية والاتفاقات الفنية والأسعار، كما يتوقف تشغيل خطي جيهان وبانياس على استمرار التعاون مع الدول المجاورة.

ويخلص الكاتب إلى أن العراق لن يتمكن في المدى المنظور من إنهاء اعتماده على الشركاء الخارجيين في مجالات تصدير النفط وإنتاج الكهرباء والأمن، بل إن الهدف الواقعي يتمثل في منع أي طرف أو مسار واحد من تعطيل المنظومة بأكملها.

فإذا نجحت هذه البدائل في العمل بصورة متوازية، فإن تنويع الشركاء في القطاعات الحساسة سيمنح العراق مساحة أوسع للمناورة. أما إذا أخفقت، فإن تعدد العلاقات الخارجية لن يؤدي إلى تقليص الاعتماد، بل سيؤدي فقط إلى توزيع هذا الاعتماد بين أطراف ومسارات مختلفة.

تنويع الشراكات لا يعني إنهاء الاعتماد

يبيّن قطاع الطاقة أيضاً أن العراق يتبنى نهج تنويع المخاطر داخل القطاع نفسه. فقد ربط وزير الكهرباء علي سعدي وهيب زيادة إنتاج الكهرباء بالاستثمارات التي تنفذها الشركات الأميركية، وباستمرار استيراد الغاز من إيران، إضافة إلى مشاريع الربط الكهربائي مع السعودية والأردن وتركيا.

ويعكس هذا التوجه أن بغداد لا تسند ملف الكهرباء إلى شريك خارجي واحد، كما أنها لا تطرح الاستثمارات الأميركية بديلاً عن الغاز الإيراني، بل تنظر إليها باعتبارها جزءاً من منظومة متعددة الأطراف تعمل بالتوازي مع مشاريع الربط الإقليمي.

ويمكن لهذا النموذج أن يمنح العراق قدراً من المرونة في مواجهة الأزمات، إلا أن زيادة عدد الشركاء لا تعني تلقائياً تقليص مستوى الاعتماد الخارجي. فتنفيذ مشاريع الطاقة الأميركية يبقى مرهوناً بالاستقرار الأمني، واستمرار إمدادات الغاز الإيراني مرتبط بالعلاقات السياسية، بينما تعتمد مشاريع الربط الكهربائي الإقليمي على جاهزية البنية التحتية والاتفاقات الفنية وآليات التسعير، كما يتوقف تشغيل خطي جيهان وبانياس على استدامة التعاون مع الدول المجاورة.

وفي المحصلة، لن يكون التحدي الذي يواجه العراق هو إنهاء اعتماده على الشركاء الخارجيين بصورة كاملة، إذ ستظل البلاد في المدى المنظور بحاجة إلى التعاون الخارجي في مجالات تصدير النفط وإنتاج الكهرباء والأمن.

لكن الهدف الذي تسعى إليه بغداد يتمثل في منع أي طرف أو مسار واحد من امتلاك القدرة على شل المنظومة بأكملها. فإذا نجحت البدائل المختلفة في العمل بصورة متوازية، فإن تنويع الشراكات في القطاعات عالية المخاطر سيمنح العراق هامشاً أوسع للحركة والمناورة. أما إذا أخفقت هذه البدائل، فإن تعدد العلاقات الخارجية لن يؤدي إلى تقليل الاعتماد، بل سيقتصر أثره على توزيع هذا الاعتماد بين أطراف ومسارات مختلفة.

Comments