تحول موازين القوى في سوريا: دوافع حلّ «قسد» ومآلاته
يمثل إعلان مظلوم عبدي، قائد قوات سوريا الديمقراطية «قسد»، من قصر الشعب في دمشق في 25 أغسطس/آب 2026، إنهاء وجود «قسد» كتنظيم عسكري مستقل، تحولاً مهماً في مسار إعادة بناء مؤسسات الدولة السورية وتوحيد مراكز القوة العسكرية والأمنية في البلاد.
ولا يبدو القرار، وفق المعطيات المتاحة، نقطة بداية لمسار الاندماج بقدر ما يمثل المرحلة السياسية المعلنة لمسار بدأ ميدانياً ومؤسسياً قبل ذلك بأشهر، وشمل إعادة ترتيب القوات، ونقل أجزاء من الأجهزة الأمنية والإدارية إلى مؤسسات الدولة، وتسليم عدد من الموارد والمنشآت الاستراتيجية للحكومة المركزية.
وتكمن أهمية التطور في أن «قسد» لم تكن مجرد تشكيل عسكري، بل شكلت خلال أكثر من عقد أحد أهم مراكز القوة السياسية والعسكرية والإدارية في شمال شرقي سوريا. ولذلك فإن إنهاء بنيتها المستقلة يفتح مرحلة جديدة تتجاوز مسألة إعادة توزيع المقاتلين، لتشمل شكل الدولة السورية، ومستقبل الإدارة المحلية، ووضع المكون الكردي، والسيطرة على الموارد والحدود، إضافة إلى مستقبل العلاقة مع الولايات المتحدة وتركيا.
أولاً: من الاندماج إلى إنهاء البنية المستقلة
تمحور الخلاف الأساسي بين دمشق وقيادة «قسد» خلال مراحل التفاوض حول طبيعة الاندماج.
فبينما كان أحد الخيارات يتمثل في إدخال «قسد» إلى الجيش السوري باعتبارها كتلة عسكرية متماسكة تحتفظ بجزء من قيادتها وهيكليتها، اتجهت دمشق تدريجياً نحو نموذج مختلف يقوم على تفكيك البنية العسكرية القائمة وإعادة توزيع عناصرها داخل مؤسسات الدولة.
ويعني هذا النموذج عملياً الفصل بين:
استيعاب الأفراد والضباط والقادة داخل مؤسسات الدولة.
وإنهاء «قسد» باعتبارها تنظيماً عسكرياً مستقلاً.
وربط القرار العملياتي والتسليح والتحركات والتعيينات بوزارة الدفاع.
وإنهاء أي سلسلة قيادة عسكرية موازية للمؤسسة العسكرية الرسمية.
وبذلك، فإن جوهر الاتفاق لا يتمثل في انتقال «قسد» كتنظيم من سلطة إلى أخرى، وإنما في تفكيك التنظيم وإعادة إنتاج عناصره داخل مؤسسات الدولة السورية.
ثانياً: إعادة هيكلة القوة العسكرية
تشير المعطيات المتاحة إلى أن عملية إعادة توزيع المقاتلين بدأت قبل الإعلان الرسمي عن حل «قسد». ولم يتم إدخال القوات باعتبارها وحدة عسكرية واحدة، بل جرى العمل على تفكيك هيكليتها السابقة وتوزيع القسم الأكبر من عناصرها ضمن تشكيلات عسكرية مرتبطة مباشرة بالجيش السوري.
ومن أبرز ملامح الصيغة المعتمدة توزيع الوحدات جغرافياً في مناطق مثل الحسكة والقامشلي وديريك وعين العرب/كوباني.
وتحقق هذه الصيغة هدفين متوازيين:
تقليل المخاطر الأمنية والاجتماعية الناتجة عن نقل أعداد كبيرة من المقاتلين بعيداً عن مناطقهم الأصلية.
منع إعادة إنتاج قوة عسكرية مستقلة يمكن أن تمتلك قراراً عملياتياً منفصلاً عن وزارة الدفاع.
كما شملت عملية الدمج مراجعة أسماء المقاتلين، والرتب السابقة، والاختصاصات، وسنوات الخدمة، إلى جانب تقييم أوضاع عدد من الضباط والقادة قبل تثبيت مواقعهم في الهيكل العسكري الجديد.
وتشير الترتيبات إلى أن الوحدات المدمجة ستخضع للأوامر العملياتية الصادرة عن القيادة العسكرية الرسمية، فيما تصبح مسائل التسليح والتحركات والتعيينات جزءاً من منظومة وزارة الدفاع.
ثالثاً: مستقبل قيادات «قسد»
يمثل مستقبل القيادة السابقة للقوات أحد أكثر الملفات حساسية في عملية الانتقال. وتقوم الصيغة التي تبدو دمشق أكثر قبولاً بها على استيعاب بعض القيادات العسكرية والسياسية السابقة داخل مؤسسات الدولة، مع إنهاء القيادة المركزية لـ«قسد» بصيغتها السابقة.
ويعكس ذلك محاولة لتحقيق توازن بين هدفين:
الاستفادة من الخبرات والقدرات البشرية التي راكمتها القيادات المحلية خلال سنوات الحرب.
ومنع هذه القيادات من الاحتفاظ بإطار تنظيمي مستقل داخل مؤسسات الدولة.
وفي هذا السياق، يبرز مستقبل مظلوم عبدي باعتباره أحد الملفات السياسية الحساسة. فاستيعابه ضمن مؤسسات الدولة قد يشكل جزءاً من التسوية، لكن التحدي يتمثل في طبيعة الموقع الذي يمكن أن يشغله وصلاحياته، بما يضمن عدم إعادة إنتاج موقعه السابق باعتباره قائداً لقوة عسكرية مستقلة.
رابعاً: دمج «الأسايش» وإنهاء الازدواج الأمني
لا يقتصر مسار الدمج على المؤسسة العسكرية، إذ يجري بالتوازي العمل على إدماج قوات الأمن الداخلي المعروفة باسم «الأسايش» ضمن وزارة الداخلية السورية.
وتكتسب هذه الخطوة أهمية خاصة في الحسكة والقامشلي، حيث شكلت «الأسايش» خلال السنوات الماضية الجهاز الأمني الأساسي للإدارة الذاتية.
ويبدو أن المقاربة الحكومية لا تقوم على استبدال جميع العناصر المحليين بقوات أمنية من مناطق أخرى، وإنما على استيعاب نسبة كبيرة من العناصر المحليين بعد إخضاعهم للهيكل القانوني والإداري لوزارة الداخلية.
وتوفر هذه الصيغة للدولة السورية ميزتين:
الحفاظ على المعرفة المحلية بالبيئة الأمنية والاجتماعية.
إنهاء وجود جهاز أمني مستقل خارج التسلسل المؤسسي للدولة.
وبالتالي، فإن نجاح هذا المسار سيكون أحد المؤشرات الرئيسية على مدى قدرة دمشق على إنهاء حالة الازدواج الأمني في شمال شرقي البلاد.
خامساً: السيطرة على السلاح والمخازن العسكرية
يشكل ملف السلاح أحد أكثر عناصر الاندماج أهمية، إذ لا يمكن اعتبار العملية مكتملة إذا بقيت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة والمخازن والمركبات العسكرية تحت سيطرة القيادة السابقة.
ولهذا ارتبطت عملية إعادة توزيع المقاتلين بإعادة تنظيم السيطرة على مخازن الأسلحة والمقار والمعدات العسكرية.
ويهدف هذا الترتيب إلى ضمان أن تصبح القدرة على استخدام السلاح جزءاً من القرار العسكري للدولة، وليس امتداداً لقرار القيادة السابقة لـ«قسد».
وتبقى بعض الملفات أكثر تعقيداً، ولا سيما وضع التشكيلات النسائية المرتبطة بـ«وحدات حماية المرأة»، في ظل التباين بين الرغبة في الحفاظ على خصوصيتها وبين مبدأ عدم وجود تشكيلات قتالية مستقلة داخل الجيش السوري.
ومن المرجح أن يحتاج هذا الملف إلى ترتيبات انتقالية تتضمن دمج جزء من العناصر في المؤسسات العسكرية أو الأمنية، وتحويل جزء آخر إلى مؤسسات مدنية أو أمنية غير قتالية.
سادساً: النفط والمعابر والموارد الاستراتيجية
يمتد التحول من المجالين العسكري والأمني إلى المجال الاقتصادي والإداري. وكانت السيطرة على النفط والمعابر الحدودية أحد أهم مصادر القوة التي امتلكتها الإدارة الذاتية في شمال شرقي سوريا. ولذلك فإن نقل هذه الموارد إلى مؤسسات الدولة يمثل بعداً أساسياً في إعادة توحيد السلطة.
وتبرز في هذا السياق حقول النفط، ومنها رميلان والسويدية، إضافة إلى المعابر الحدودية ومطار القامشلي والمؤسسات الخدمية والإدارية.
ويبدو أن النموذج المتبع يقوم على إعادة المرجعية القانونية والإدارية إلى الحكومة المركزية، مع الإبقاء على جزء كبير من الكادر المحلي داخل المؤسسات.
وتسمح هذه الصيغة لدمشق باستعادة السيطرة على الموارد والمؤسسات من دون تفكيك الجهاز الإداري المحلي بصورة قد تؤدي إلى فراغ وظيفي أو اقتصادي.
ومن منظور الدولة السورية، يمثل هذا الجانب جزءاً من استعادة السيادة الاقتصادية، وليس مجرد إجراء إداري موازٍ للاندماج العسكري.
سابعاً: لماذا قبلت قيادة «قسد» بالصيغة الحالية؟
يمكن تفسير قبول قيادة «قسد» بالحل النهائي في ضوء مجموعة من المتغيرات التي أعادت تشكيل قدرتها التفاوضية.
1. تغير الموقف الأميركي
يبدو أن الموقف الأميركي اتجه نحو دعم صيغة تضمن حقوق الأكراد وتمنع اندلاع مواجهة واسعة، من دون الالتزام باستمرار «قسد» كقوة عسكرية مستقلة عن الدولة السورية.
ويمثل هذا التحول عاملاً مهماً، نظراً إلى أن الدعم الأميركي كان أحد أهم عناصر القوة التي استندت إليها «قسد» خلال السنوات السابقة.
2. الضغط التركي
استمر الضغط التركي على البنية العسكرية المرتبطة بوحدات حماية الشعب، وهو ما حدّ من قدرة «قسد» على الحفاظ على صيغة عسكرية مستقلة على المدى الطويل.
وبالتالي، أصبح الحفاظ على المكاسب السياسية والثقافية أكثر واقعية من محاولة الحفاظ على البنية العسكرية السابقة.
3. التحولات الميدانية
أدت التحولات في خريطة السيطرة والبيئة الإقليمية إلى تقليص قدرة «قسد» على التفاوض من موقع القوة الذي كانت تتمتع به خلال مراحل سابقة.
وبذلك انتقلت الأولوية من الحفاظ على السيطرة الجغرافية والعسكرية إلى محاولة تحويل جزء من هذه المكاسب إلى ضمانات سياسية وحقوق ثقافية وإدارية داخل الدولة السورية.
ثامناً: ماذا حصل عليه الأكراد؟
لا يعني حل «قسد» بالضرورة إنهاء المطالب الكردية أو إلغاء المكاسب التي تحققت خلال سنوات الإدارة الذاتية. فقد ركز الجانب الكردي خلال المفاوضات على تحويل جزء من المكاسب العسكرية والجغرافية إلى ضمانات سياسية وثقافية ومدنية.
ومن أبرز الملفات التي اكتسبت أهمية:
تعزيز الحقوق الثقافية واللغوية للأكراد.
الحفاظ على إمكانية التعليم باللغة الكردية.
تمثيل شخصيات كردية في المؤسسات المركزية.
الحفاظ على نسبة مهمة من الموظفين المحليين.
عدم التعامل مع العاملين في مؤسسات الإدارة السابقة باعتبارهم خارج مؤسسات الدولة.
دمج الكوادر المحلية ضمن المؤسسات الحكومية بدلاً من استبدالها بالكامل.
ويكشف ذلك عن تحول في طبيعة التفاوض: فبدلاً من التمسك بوضع سياسي وعسكري منفصل، أصبحت الأولوية هي تأمين الحقوق والتمثيل داخل الدولة السورية الموحدة.
تاسعاً: التحديات أمام دمشق بعد إعلان الحل
على الرغم من أهمية الإعلان، فإن إنهاء «قسد» تنظيمياً لا يعني اكتمال عملية الاندماج. فالاختبار الحقيقي يبدأ بعد الإعلان، وتحديداً في قدرة الحكومة السورية على تحويل الترتيبات السياسية إلى واقع مؤسسي مستقر.
ويمكن تحديد أبرز التحديات في أربعة ملفات:
1. استكمال الدمج العسكري
يتطلب ذلك تثبيت الرتب، وتحديد مواقع القادة، وربط جميع الوحدات بسلسلة قيادة واحدة، وضمان السيطرة الحكومية الكاملة على السلاح.
2. إنهاء الازدواج الأمني
يتعين دمج «الأسايش» وإنشاء منظومة أمن داخلي موحدة، مع تجنب حدوث فراغ أمني في المدن والمناطق الحدودية.
3. معالجة الملفات الخاصة
يبقى وضع التشكيلات النسائية وبعض الوحدات الخاصة والكوادر القيادية من الملفات التي قد تحتاج إلى ترتيبات إضافية.
4. استكمال نقل المؤسسات والموارد
يتطلب دمج الإدارة الذاتية نقل الصلاحيات المتعلقة بالنفط والمعابر والمالية والخدمات والإدارة المحلية إلى مؤسسات الدولة، مع الحفاظ على استمرارية الخدمات.
عاشراً: التداعيات الإقليمية
يحمل إنهاء «قسد» كقوة مستقلة تداعيات تتجاوز الداخل السوري.
من المرجح أن تنظر أنقرة بإيجابية إلى تفكيك البنية العسكرية المرتبطة بوحدات حماية الشعب، خصوصاً إذا أدى الاندماج إلى منع وجود قوة كردية مسلحة مستقلة على حدودها الجنوبية.
لكن استمرار المتابعة التركية سيعتمد على مدى التزام دمشق بمنع إعادة تشكيل هذه البنية تحت مسميات جديدة.
ويمثل التطور اختباراً جديداً لطبيعة الدور الأميركي في سوريا. فإذا انتقلت واشنطن من دعم «قسد» كقوة عسكرية إلى دعم دمج المكونات الكردية داخل مؤسسات الدولة، فإن ذلك يعني تحولاً مهماً في مقاربتها للملف السوري.
ويمتلك التطور أهمية مباشرة بالنسبة إلى العراق، نظراً إلى ارتباط شمال شرقي سوريا بالحدود العراقية وملفات الأمن والطاقة وتنقل العناصر المرتبطة بتنظيم داعش.
وتحتاج بغداد إلى متابعة عملية الانتقال، خصوصاً ما يتعلق بأمن الحدود، ومراكز احتجاز عناصر داعش، وحركة السكان والمهجرين، وأي تداعيات محتملة على المناطق العراقية المحاذية لسوريا.
التقييم
يمثل إعلان حل «قسد» تحولاً من مرحلة تعدد مراكز القوة في شمال شرقي سوريا إلى مرحلة إعادة توحيد تدريجية للسلطة العسكرية والأمنية والإدارية تحت مؤسسات الدولة.
غير أن نجاح العملية لا يتوقف على الإعلان السياسي، بل على قدرة دمشق على تحقيق معادلة دقيقة: استعادة السيادة المركزية من دون إنتاج فراغ أمني أو إداري، وضمان حقوق الأكراد من دون الإبقاء على مؤسسات عسكرية وأمنية موازية للدولة.
كما أن عملية الاندماج ستحدد إلى حد كبير شكل العلاقة المستقبلية بين المركز والمناطق الكردية، ومدى قدرة الحكومة السورية على بناء نموذج للحكم المحلي داخل إطار الدولة الموحدة.
وبناءً عليه، فإن الأشهر المقبلة ستكون مرحلة اختبار أكثر من كونها مرحلة تنفيذ روتيني. وسيكون من أهم مؤشرات النجاح:
اكتمال دمج الوحدات العسكرية وسلسلة قيادتها.
إنهاء أي تشكيل أمني مستقل عن وزارة الداخلية.
حسم وضع التشكيلات النسائية والوحدات الخاصة.
انتقال السيطرة الفعلية على السلاح والمخازن.
استكمال نقل النفط والمعابر والمؤسسات المالية والإدارية.
ضمان استمرار الخدمات المحلية خلال عملية الانتقال.
تثبيت الحقوق الثقافية والسياسية والمدنية للأكراد.
منع ظهور هياكل عسكرية بديلة تحمل أسماء أو صيغاً جديدة.
المعهد العراقي للحوار الراعي اللوجستي لمعرض بغداد الدولي للكتاب يفتتح جناحه الخاص في المعرض
Official agreement between Iraqi Institute for Dialogue and the Iraqi Media Network to sponsor The Seventh Annual International Conference of “Baghdad Dialogue” 2025
المعهد العراقي للحوار يصدر "الحقيبة الدبلوماسية" للدكتور كرار البديري
دعوة استكتاب في العدد (79) من مجلة "حوار الفكر"
رئيس الوزراء: طريق التنمية سيجعل العراق قوة اقليمية سياسة واقتصادية
كلمة مدير المعهد العراقي للحوار في مؤتمر حوار بغداد الدولي السادس
استكتاب خاص بمؤتمر حوار بغداد الدولي السابع لكتابة أوراق بحثية
Comments