00:00:00
توقيت بغداد
2026سبتمبر19
السبت
12 °C
بغداد، 12°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

من هرمز إلى باب المندب.. هل انتهى عصر الممرات البحرية الآمنة؟

لم تعد أزمة مضيق هرمز مرتبطة بممر مائي واحد أو بصادرات نفط الخليج وحدها، إذ أدى تصاعد التهديدات في باب المندب إلى وضع اثنتين من أهم نقاط الاختناق البحرية في العالم تحت ضغط متزامن، ما يهدد بتحويل أزمة جيوسياسية إقليمية إلى أزمة عالمية تطال الطاقة والتجارة وسلاسل التوريد والتضخم.

تكشف التطورات المتسارعة في مضيقي هرمز وباب المندب عن تحول لافت في خريطة أمن الطاقة العالمي، بعدما أصبح المسار الذي كان يُنظر إليه باعتباره بديلاً عن هرمز معرضاً هو الآخر للاضطراب.

وبحسب تقرير نشره موقع «خبر أونلاين» الإيراني، فإن مضيق هرمز، الذي يمر عبره ما يقرب من ربع تجارة النفط المنقولة بحراً في العالم، شهد منذ بداية العام قيوداً واضطرابات حادة في حركة الملاحة على خلفية المواجهة بين إيران والولايات المتحدة.

وفي الوقت نفسه، تحول باب المندب، الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن، إلى نقطة ضغط ثانية مع تصاعد نشاط الحوثيين في اليمن.

ولا تكمن خطورة التطورات في تعرض الممرين للتهديد بصورة متزامنة فحسب، وإنما في الترابط بينهما؛ إذ إن جزءاً من خطط دول الخليج لتجاوز مخاطر هرمز يعتمد على إيصال النفط إلى البحر الأحمر، قبل انتقاله إلى الأسواق العالمية عبر باب المندب.

وبذلك، أصبح الطريق البديل نفسه جزءاً من الأزمة.

هرمز.. ورقة استراتيجية لإيران

قبل اندلاع المواجهات، كان مضيق هرمز يشهد مرور نحو 20 مليون برميل من النفط يومياً، ما يجعله واحداً من أهم شرايين الطاقة في العالم.

ومع تصاعد الصراع الأميركي–الإيراني، أصبح المضيق إحدى أبرز أدوات الضغط الاستراتيجي التي تمتلكها طهران.

ويرى محللون أورد التقرير آراءهم أن أهمية هرمز بالنسبة إلى إيران لا تقتصر على موقعه الجغرافي، بل تكمن في قدرته على رفع الكلفة الاقتصادية لأي مواجهة عسكرية، ولا سيما بالنسبة إلى الولايات المتحدة وحلفائها والدول المستوردة للطاقة.

فأي انخفاض كبير في حركة ناقلات النفط لا يبقى تأثيره محصوراً داخل منطقة الخليج، بل ينتقل سريعاً إلى أسعار النفط والتأمين والشحن والأسواق المالية.

باب المندب.. نقطة الاختناق الثانية

بينما ظل هرمز محوراً رئيسياً للأزمة، برز باب المندب بوصفه نقطة الضغط الثانية.

ويشير التقرير إلى استعداد الحوثيين لاستهداف حركة الملاحة في المضيق، خصوصاً في حال تصاعد العمليات العسكرية ضد البنية التحتية الإيرانية.

وتزداد أهمية باب المندب بسبب موقعه الذي يربط البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، ما يجعله ممراً حيوياً للسفن المتجهة من وإلى قناة السويس.

كما أن قدرات الحوثيين في استخدام الطائرات المسيّرة والصواريخ المضادة للسفن والزوارق السريعة تمنحهم، وفق التحليل الوارد في التقرير، إمكانية إحداث اضطرابات واسعة في حركة الملاحة حتى من دون إغلاق المضيق بصورة كاملة.

وهنا تظهر المعضلة الأساسية: فباب المندب كان يمثل أحد الطرق التي يمكن من خلالها تخفيف آثار أزمة هرمز.

الطريق البديل أصبح مهدداً

اعتمدت السعودية بصورة متزايدة على خط أنابيب الشرق–الغرب الذي ينقل النفط إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر، لتقليل اعتماد صادراتها على مضيق هرمز.

ويذكر التقرير أن نحو 64 في المئة من الصادرات النفطية السعودية جرى توجيهها عبر هذا المسار باتجاه ينبع، ومنها إلى الأسواق العالمية.

لكن تصاعد التهديد في البحر الأحمر وباب المندب يعني أن تجاوز هرمز لم يعد كافياً لضمان وصول النفط بأمان إلى الأسواق.

وبذلك تتشكل معادلة جديدة: إذا تعطل هرمز، يمكن نقل جزء من النفط إلى البحر الأحمر، لكن إذا تعرض باب المندب أيضاً لاضطراب واسع، فإن فاعلية هذا البديل تتراجع بصورة كبيرة.

النفط فوق 100 دولار

ظهرت التداعيات المباشرة للأزمة سريعاً في أسواق الطاقة.

فبحسب الأرقام الواردة في التقرير، تجاوز النفط خلال الأسابيع الأخيرة من سبتمبر/أيلول 2026 مستوى 100 دولار للبرميل للمرة الأولى منذ يوليو/تموز.

ووصل خام برنت إلى 108.23 دولارات للبرميل، فيما بلغ خام غرب تكساس الوسيط 103.20 دولارات، مسجلين ارتفاعاً بأكثر من 3 في المئة خلال يوم واحد.

كما أشار التقرير إلى تجاوز سعر الديزل في الولايات المتحدة ستة دولارات للغالون.

ولا يرتبط القلق في الأسواق بارتفاع الأسعار وحده، بل بانهيار افتراض سابق مفاده أن اضطراب أحد الممرات يمكن تعويضه باستخدام مسارات بديلة.

فإذا تعرض هرمز وباب المندب لضغوط متزامنة، تتراجع الخيارات المتاحة أمام المصدرين وشركات الشحن.

 وبحسب بيانات «كبلر» التي نقلها التقرير، تراجعت حركة الملاحة في باب المندب خلال أحد الأيام إلى 11 سفينة فقط، وهو أدنى مستوى خلال الأشهر الأخيرة.

الأزمة تتجاوز النفط

التداعيات لا تتوقف عند أسعار الخام. فأي اضطراب واسع في إنتاج ونقل الطاقة في الخليج والبحر الأحمر يمكن أن يمتد إلى البتروكيماويات والأسمدة والألمنيوم والهيليوم وغيرها من المواد التي تدخل في قطاعات صناعية متقدمة.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة لأن تلك المواد تدخل في صناعات أشباه الموصلات والسيارات والطيران والفضاء والبنية التحتية المرتبطة بالذكاء الاصطناعي.

وبذلك يمكن لأزمة تبدأ من مضيق بحري أن تنتقل تدريجياً من ناقلات النفط إلى المصانع وسلاسل الإنتاج والأسعار التي يدفعها المستهلكون حول العالم.

كما يؤدي ارتفاع المخاطر إلى زيادة أقساط التأمين على السفن والشحنات.

وأمام شركات الملاحة خياران كلاهما مكلف: مواصلة المرور عبر مناطق مرتفعة المخاطر، أو تغيير المسارات والإبحار حول أفريقيا، بما يعني زيادة زمن الرحلة واستهلاك الوقود وتكاليف النقل.

السعودية والإمارات أمام معادلة صعبة

تضع الأزمة دول الخليج أمام تحديات متفاوتة.

فالسعودية التي طورت خط الشرق–الغرب وميناء ينبع لتقليل اعتمادها على هرمز تواجه احتمال انتقال المخاطر إلى البحر الأحمر.

ويشير التقرير إلى تعرض منشآت نفطية في جازان وينبع، فضلاً عن خط الأنابيب، لهجمات مرتبطة بالتصعيد.

أما الإمارات فاستثمرت في خط حبشان–الفجيرة بهدف تصدير جزء من نفطها عبر بحر عُمان من دون المرور بمضيق هرمز.

لكن التقرير يرى أن زيادة الاعتماد على الفجيرة تمنحها أهمية استراتيجية أكبر، وهو ما قد يزيد بدوره حساسيتها في أوقات التصعيد.

الصين بين إيران وأمن الطاقة

تحتل الصين موقعاً بالغ الحساسية في هذه الأزمة، فهي من أبرز مستوردي النفط الخليجي، وفي الوقت نفسه ترتبط بعلاقات استراتيجية واقتصادية واسعة مع إيران.

لذلك تواجه بكين معادلة تقوم على الحفاظ على علاقاتها مع طهران من جهة، وحماية تدفقات الطاقة والتجارة من جهة أخرى.

وأشار التقرير إلى أن وزير الخارجية الصيني وانغ يي دعا خلال لقاء مع نظيره الإيراني إلى عودة حركة العبور «الطبيعية والآمنة» عبر المضيق، من دون الدخول في تفاصيل الخلاف المتعلق بإغلاقه أو المطالب الإيرانية.

ويعكس هذا الخطاب محاولة صينية للموازنة بين علاقاتها السياسية وبين حاجتها إلى استقرار طرق الطاقة والتجارة الدولية.

أوروبا وخطر اتساع المواجهة

بدورها، تجد أوروبا نفسها أمام تحدٍ مختلف. ففي الوقت الذي تجنبت فيه الانخراط المباشر في العمليات الأميركية المرتبطة بهرمز، فإن وجود عمليات بحرية أوروبية في البحر الأحمر يجعل استمرار التصعيد في باب المندب أكثر اتصالاً بالمصالح الأمنية الأوروبية المباشرة.

ويرى محللون أن استمرار الهجمات على الملاحة قد يوسع الدور الأوروبي في حماية السفن، بما يرفع مستوى الاحتكاك مع الحوثيين ويزيد تعقيد العلاقة مع إيران.

ثلاثة سيناريوهات

يفتح استمرار الأزمة الباب أمام ثلاثة مسارات رئيسية.

الأول: إدارة التصعيد والعودة إلى المفاوضات.

يفترض هذا المسار أن تؤدي الكلفة الاقتصادية لارتفاع أسعار الطاقة، إلى جانب الحسابات السياسية الداخلية في الولايات المتحدة واقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس، إلى تحريك مسار تفاوضي جديد.

وأشار التقرير إلى وجود جهود وساطة تقودها سلطنة عُمان وقطر وباكستان، مع طرح أفكار تتعلق بهدن قصيرة الأمد.

لكن المشكلة تكمن في هشاشة الاتفاقات المؤقتة؛ إذ يشير التقرير إلى أن «مذكرة تفاهم إسلام آباد» التي أُبرمت في يونيو/حزيران 2026 لم تصمد ثلاثة أشهر، ما يعكس صعوبة بناء تسوية مستدامة من دون معالجة جذور الخلاف.

الثاني: التصعيد نحو أزمة طاقة واسعة.

هذا هو السيناريو الأعلى كلفة.

فإذا تعرض هرمز وباب المندب للإغلاق أو التعطيل الواسع في الوقت نفسه، قد تواجه الأسواق نقصاً حاداً في الإمدادات وارتفاعاً استثنائياً في تكاليف النقل.

وينقل التقرير عن بعض المحللين تقديرات تحذر من إمكانية وصول النفط إلى 200 دولار للبرميل في حالة الإغلاق المتزامن للمضيقين.

لكن هذا الرقم يظل سيناريو تقديرياً مرتبطاً بمدى التعطيل ومدته وحجم الإمدادات البديلة المتاحة، وليس سعراً محسوماً.

الثالث: تحول التهديد إلى واقع دائم.

يقوم هذا السيناريو على عدم الوصول إلى حرب شاملة أو تسوية سياسية نهائية، وإنما استمرار حالة بينهما يمكن وصفها بـ«عدم الاستقرار المُدار».

وتعني هذه الحالة استمرار هجمات متقطعة ومفاوضات مرحلية وفترات تهدئة قصيرة، من دون معالجة نهائية للأزمة.

اقتصادياً، يمكن أن يؤدي ذلك إلى بقاء أسعار النفط أعلى من مستوياتها الاعتيادية، مع استمرار ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وإضافة «علاوة مخاطر» جيوسياسية شبه دائمة إلى أسعار الطاقة.

هل انتهى عصر الممرات البحرية الآمنة؟

تكشف أزمة هرمز وباب المندب عن مشكلة أعمق من المواجهة الحالية، تتمثل في الاعتماد الكبير للاقتصاد العالمي على عدد محدود من الممرات البحرية الضيقة.

ومن الناحية الجيوسياسية، تظهر الأزمة كيف يمكن للجغرافيا أن تمنح الدول والجماعات المسلحة أدوات تأثير تتجاوز حجم قدراتها الاقتصادية أو العسكرية التقليدية.

أما اقتصادياً، فإن تعرض نقطتي اختناق رئيسيتين للتهديد في الوقت نفسه يكشف هشاشة منظومة الطاقة العالمية أمام الأزمات الإقليمية.

وتزداد المعادلة تعقيداً عندما تتداخل إجراءات الدول مع عمليات جماعات مسلحة غير حكومية، الأمر الذي يجعل أدوات الردع التقليدية والقواعد القانونية والسياسية القائمة أقل قدرة على إدارة الأزمة.

ولا يمكن الجزم بالمسار الذي ستسلكه التطورات المقبلة؛ إذ يرتبط ذلك بجملة عوامل، بينها مسار المواجهة الأميركية–الإيرانية، والتطورات داخل شبكة حلفاء إيران الإقليميين، والحسابات السياسية الأميركية، ومدى استعداد الأطراف للعودة إلى المفاوضات.

لكن الأزمة الحالية تكشف بوضوح أن أمن الطاقة لم يعد مرتبطاً فقط بحجم الاحتياطيات أو قدرة الدول على زيادة الإنتاج.

فالسؤال الأهم أصبح: هل تستطيع هذه الإمدادات الوصول إلى الأسواق أصلاً؟

ومن هرمز إلى باب المندب، يعيد هذا السؤال الجغرافيا إلى قلب معادلة الطاقة العالمية، ويضع العالم أمام مرحلة تصبح فيها سلامة الممرات البحرية جزءاً لا ينفصل عن أمن الاقتصاد العالمي.

Comments