ترجمة المعهد العراقي للحوار
كيف أربك تقدم الحوثيين حسابات السعودية؟
أعاد التقدم العسكري لجماعة أنصار الله «الحوثيين» على الساحل الغربي لليمن، واقترابها من مضيق باب المندب، وضع أمن البحر الأحمر في صدارة التحديات الاستراتيجية التي تواجه السعودية والمنطقة. ولم يعد الصراع اليمني محصوراً في توازنات الداخل، بل بات مرتبطاً بأمن الطاقة والتجارة الدولية وبشبكة المواجهة الإقليمية بين إيران والولايات المتحدة وحلفائهما.
وتزداد خطورة هذا التحول مع تصاعد أهمية باب المندب بوصفه منفذاً رئيساً للصادرات النفطية السعودية بعد القيود المفروضة على الملاحة عبر مضيق هرمز. ويضع ذلك الرياض أمام معادلة شديدة التعقيد: فالعودة إلى المواجهة العسكرية تحمل تكاليف ومخاطر كبيرة، فيما قد يؤدي تأجيل الرد إلى تعزيز قدرة الحوثيين على فرض وقائع سياسية وأمنية جديدة.
تحول ميداني يهدد التوازنات السابقة
وشهد مطلع أيلول/سبتمبر 2026 انهياراً سريعاً في مواقع القوات الموالية للحكومة اليمنية المعترف بها دولياً أمام هجوم مفاجئ للحوثيين. وأسفر الهجوم عن سيطرة الجماعة على أجزاء واسعة من الساحل الغربي المطل على البحر الأحمر، وتقدمها نحو مدينتي المخا وذباب القريبتين من باب المندب.
كما عزز الحوثيون وجودهم في جزيرة بريم، المعروفة أيضاً بجزيرة ميون، الواقعة في قلب المضيق. وتمنح السيطرة على هذه المواقع الجماعة قدرة أكبر على مراقبة حركة الملاحة والضغط على السفن المتجهة بين البحر الأحمر وخليج عدن.
ويمثل هذا التطور انتكاسة للجهود العسكرية والدبلوماسية والاقتصادية التي قادتها السعودية منذ تدخل التحالف العربي في اليمن عام 2015. فبعد سنوات من المواجهة والتهدئة، بات الحوثيون يمتلكون نفوذاً يمتد من مناطق شمال اليمن المحاذية للحدود السعودية إلى مواقع استراتيجية عند البوابة الجنوبية للبحر الأحمر.
باب المندب وأمن الطاقة السعودي
تنبع أهمية باب المندب من كونه جزءاً أساسياً من الطريق البحري الذي يربط المحيط الهندي بالبحر الأحمر وقناة السويس والبحر المتوسط. وقد تضاعفت أهميته بالنسبة إلى السعودية بعد تزايد اعتمادها على خط أنابيب «شرق–غرب»، الذي ينقل النفط الخام من حقول المنطقة الشرقية إلى ميناء ينبع على البحر الأحمر.
وبحسب بيانات منظمة الدول المصدرة للنفط «أوبك»، تتجه قرابة 80% من صادرات النفط السعودية نحو الأسواق الآسيوية. ولذلك فإن اضطراب الملاحة عند باب المندب لا يهدد صادرات المملكة فقط، بل قد يرفع تكاليف الشحن والتأمين ويزيد الضغوط على أسواق الطاقة العالمية.
ويرى الباحث في منتدى الخليج الدولي عبد العزيز الغشيان أن التطورات الحالية تشبه «كابوساً تحول إلى حقيقة»، محذراً من أن تعرض صادرات النفط السعودية للخطر يعني إصابة الشريان الاقتصادي الرئيس للمملكة.
وازدادت المخاوف بعد استهداف خط أنابيب «شرق–غرب» بطائرات مسيرة قيل إنها انطلقت من جنوب العراق، ما دفع وزارة الطاقة السعودية في 11 أيلول/سبتمبر إلى تعليق تشغيله بصورة مؤقتة. ويكشف ذلك عن ترابط جبهات التصعيد، من العراق والخليج إلى اليمن والبحر الأحمر.
قدرات عسكرية وتنظيمية متنامية
تشير التحركات الأخيرة إلى أن الحوثيين لم يعودوا مجرد جماعة مسلحة تسيطر على مناطق جبلية في شمال اليمن، بل تحولوا إلى قوة عسكرية وتنظيمية قادرة على تنفيذ عمليات معقدة وإدارة مناطق واسعة واستخدام الصواريخ والطائرات المسيرة في ممارسة الضغط الإقليمي.
وترى الباحثة في جامعة كامبريدج إليزابيث كيندال أن الجماعة راكمت خبرة تنظيمية وميدانية كبيرة، فضلاً عن توظيف تقنيات متقدمة في الدعاية وجمع المعلومات وتحديد الأهداف، من بينها تطبيقات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي.
وتتهم السعودية والولايات المتحدة إيران بتزويد الحوثيين بالأسلحة، بما فيها الطائرات المسيرة والصواريخ المجنحة والباليستية، وهو ما تنفيه طهران، مؤكدة أن دعمها للجماعة سياسي. غير أن دراسات غربية تتحدث عن مساعدة إيرانية في تطوير منشآت لإنتاج الطائرات المسيرة داخل اليمن، إلى جانب حصول الحوثيين على استشارات وخبرات من حزب الله اللبناني.
ومع ذلك، لا تعني هذه الصلات بالضرورة وجود سيطرة إيرانية مباشرة على قرارات الحوثيين. فالجماعة تمتلك مصالح محلية وأهدافاً خاصة ترتبط بتوسيع نفوذها والحصول على الموارد وتعزيز أوراقها التفاوضية وانتزاع اعتراف سياسي بدورها.
ورقة ضغط إضافية لإيران
يعزز تقدم الحوثيين نحو باب المندب موقع إيران في معادلة المواجهة الإقليمية. فإلى جانب نفوذها في مضيق هرمز وعلاقاتها مع مجموعات مسلحة في العراق ولبنان، بات حليفها اليمني يمتلك قدرة أكبر على التأثير في بوابة البحر الأحمر.
ويرى الباحث في معهد تشاتام هاوس فارع المسلمي أن هذا التقدم يمنح إيران أوراق ضغط إضافية في تعاملها مع الولايات المتحدة. فتهديد ممرين بحريين مهمين، هما هرمز وباب المندب، يرفع تكلفة أي مواجهة إقليمية ويمنح طهران مساحة أوسع للمناورة السياسية والأمنية.
لكن هذا لا يلغي استقلالية القرار الحوثي. فبحسب كيندال، تمتلك الجماعة دوافعها الخاصة المرتبطة بالمال والنفوذ والاعتراف السياسي، حتى وإن كانت قدراتها الحالية قد استفادت بدرجة كبيرة من التسليح والتدريب والتعاون الاستخباري الإيراني.
حدود الضمانات الأميركية
كشفت الأزمة أيضاً عن تراجع ثقة الرياض بفاعلية الضمانات الأمنية الأميركية. فقد أبدت واشنطن قلقها من سيطرة الحوثيين على جزيرة بريم، وأجرت اتصالات مع الجماعة بشأن التطورات الأخيرة، لكنها لم تبدِ استعداداً واضحاً للدخول في مواجهة عسكرية جديدة.
وأفادت تقارير إعلامية بأن ولي العهد السعودي محمد بن سلمان طلب من الرئيس الأميركي دونالد ترامب توجيه ضربات إلى الحوثيين، إلا أن واشنطن رفضت الطلب. وجاء ذلك رغم زيارة قائد القيادة المركزية الأميركية، الأدميرال براد كوبر، إلى السعودية ولقائه ولي العهد في 14 أيلول/سبتمبر.
ويعكس الموقف الأميركي رغبة في تجنب توسيع نطاق الحرب، ولا سيما بعدما أكد الحوثيون أنهم لا يريدون مواجهة عسكرية مباشرة مع الولايات المتحدة. كما يشير إلى أن السعودية قد لا تستطيع الاعتماد على تدخل أميركي حاسم عند تعرض مصالحها الحيوية للتهديد.
ويمثل ذلك، وفق الغشيان، خلاصة الإحباط السعودي من طبيعة العلاقة الأمنية مع واشنطن؛ إذ تجد الرياض نفسها مطالبة بمواجهة تهديدات متزامنة من دون ضمان وجود دعم عسكري دولي مباشر.
الخطاب الحوثي وإدارة التصعيد
ويحاول الحوثيون تقديم عملياتهم على أنها موجهة ضد السعودية ولا تستهدف الملاحة الدولية بصورة عامة. وقال المتحدث باسم الجماعة محمد عبد السلام إن العمليات ستتوقف إذا رفعت السعودية ما وصفه بالحصار المفروض على اليمن وأوقفت هجماتها.
كما أكد أن حركة التجارة والملاحة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب ستستمر بصورة طبيعية. ويبدو أن هذا الخطاب يهدف إلى تجنب تشكيل تحالف دولي واسع ضد الجماعة، مع الاحتفاظ في الوقت نفسه بقدرتها على تهديد المصالح السعودية.
ومن ثم يعتمد الحوثيون استراتيجية مزدوجة: تعزيز السيطرة الميدانية ورفع تكلفة أي تحرك سعودي، بالتوازي مع طمأنة المجتمع الدولي إلى أن التجارة العالمية ليست هدفاً مباشراً لعملياتهم.
مأزق الخيارات السعودية
وتواجه السعودية خيارين كلاهما ينطوي على مخاطر كبيرة. يتمثل الأول في العودة إلى العمل العسكري بهدف إبعاد الحوثيين عن باب المندب وتقليص قدرتهم على تهديد المنشآت السعودية. إلا أن تجربة الحرب بين عامي 2015 و2022 أظهرت صعوبة حسم الصراع عسكرياً.
كما أن أي حملة جديدة ستحتاج إلى دعم إقليمي ودولي غير متوافر في الوقت الراهن، وقد تعرض المدن والمنشآت النفطية السعودية لهجمات صاروخية ومسيرة أكثر كثافة.
وتزيد الطبيعة الجغرافية والاجتماعية لليمن صعوبة التدخل. فالتضاريس المعقدة وانتشار السلاح وضعف مؤسسات الدولة وغياب حليف يمني قادر على فرض سيطرته تجعل أي عملية عسكرية طويلة الأمد شديدة الكلفة ومحدودة النتائج.
أما الخيار الثاني، فيتمثل في تجنب التصعيد والاعتماد على الضغوط الدبلوماسية والتفاوض. غير أن هذا المسار قد يتيح للحوثيين تثبيت سيطرتهم على المواقع الجديدة وتحويل باب المندب إلى ورقة مساومة دائمة في مواجهة الرياض.
التداعيات الإقليمية المحتملة
يحمل استمرار التصعيد مجموعة من التداعيات الاستراتيجية، أبرزها:
ارتفاع تكاليف نقل النفط والسلع عبر البحر الأحمر نتيجة زيادة رسوم التأمين والمخاطر الأمنية.
تراجع قدرة السعودية على تنويع مسارات تصدير النفط بعيداً عن مضيق هرمز.
تعزيز النفوذ التفاوضي للحوثيين في أي تسوية سياسية يمنية مقبلة.
حصول إيران على أوراق ضغط إضافية في مواجهتها مع الولايات المتحدة وحلفائها.
احتمال تحول البحر الأحمر إلى ساحة مواجهة موازية للخليج والعراق.
زيادة الضغوط الإنسانية داخل اليمن، الذي يحتاج نحو 19.5 مليوناً من سكانه إلى المساعدات، فيما يقدر عدد النازحين بنحو 4.8 ملايين شخص.
السيناريوهات المقبلة
يمكن تحديد ثلاثة سيناريوهات رئيسة لمسار الأزمة:
أولاً: الاحتواء الدبلوماسي
تسعى السعودية إلى بناء توافق دولي يضغط على الحوثيين للانسحاب من المواقع الحساسة، مقابل ترتيبات اقتصادية وسياسية ووقف متبادل للهجمات. ويعد هذا السيناريو الأقل كلفة، لكنه يتطلب ضمانات يصعب توفيرها في ظل انعدام الثقة.
ثانياً: تصعيد عسكري محدود
قد تلجأ الرياض إلى ضربات محددة تستهدف القدرات الصاروخية والطائرات المسيرة ومواقع الحوثيين قرب المضيق. غير أن نجاح هذا الخيار سيبقى محدوداً ما لم يترافق مع قوة برية يمنية قادرة على استعادة المناطق والمحافظة عليها.
ثالثاً: تثبيت الأمر الواقع
يحتفظ الحوثيون بسيطرتهم على المواقع الجديدة من دون إغلاق المضيق أمام الملاحة الدولية، ويستخدمون موقعهم للضغط على السعودية وانتزاع مكاسب سياسية واقتصادية. ويبدو هذا السيناريو الأقرب إذا استمرت الولايات المتحدة والقوى الإقليمية في تجنب المواجهة المباشرة.
ويكشف تقدم الحوثيين نحو باب المندب عن انتقال الصراع اليمني إلى مرحلة تتجاوز الحدود الداخلية، ليصبح جزءاً من معادلة أمن الطاقة والممرات البحرية والتنافس الإقليمي.
ولا يكمن الخطر بالنسبة إلى السعودية في احتمال إغلاق المضيق بصورة كاملة فحسب، بل في تحول تهديد الملاحة ومنشآت الطاقة إلى وسيلة ضغط مستمرة تستنزف المملكة وتحد من خياراتها الاستراتيجية.
وفي المقابل، لا تبدو العودة إلى الحرب الشاملة خياراً مضمون النتائج، في ظل تطور قدرات الحوثيين وتراجع الاستعداد الأميركي للتدخل وغياب شريك يمني قوي قادر على إحداث تحول ميداني.
وعليه، قد تضطر الرياض إلى تبني استراتيجية مركبة تجمع بين حماية منشآت الطاقة وتعزيز القدرات الدفاعية، وتوسيع الاتصالات الدبلوماسية، ودعم تسوية يمنية تمنع احتكار الحوثيين للموانئ والجزر الاستراتيجية. لكن عامل الوقت يظل حاسماً؛ لأن تثبيت السيطرة الحوثية عند باب المندب قد يحول واقعاً ميدانياً مؤقتاً إلى معادلة إقليمية طويلة الأمد.
المعهد العراقي للحوار الراعي اللوجستي لمعرض بغداد الدولي للكتاب يفتتح جناحه الخاص في المعرض
Official agreement between Iraqi Institute for Dialogue and the Iraqi Media Network to sponsor The Seventh Annual International Conference of “Baghdad Dialogue” 2025
المعهد العراقي للحوار يصدر "الحقيبة الدبلوماسية" للدكتور كرار البديري
دعوة استكتاب في العدد (79) من مجلة "حوار الفكر"
رئيس الوزراء: طريق التنمية سيجعل العراق قوة اقليمية سياسة واقتصادية
كلمة مدير المعهد العراقي للحوار في مؤتمر حوار بغداد الدولي السادس
استكتاب خاص بمؤتمر حوار بغداد الدولي السابع لكتابة أوراق بحثية
Comments