00:00:00
توقيت بغداد
2026أكتوبر04
الأحد
12 °C
بغداد، 12°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

بقلم: دنيز كاراكولوكجو

هل يكون الإنسحاب الأمريكي من العراق مُختلفاً عن عام 2011؟ قراءة تركية

في ديسمبر/كانون الأول 2011، تحرك آخر رتل عسكري أمريكي جنوباً باتجاه الحدود الكويتية، وسط هدير المحركات والغبار المتصاعد خلفه وكأنه أنفاس محبوسة. وبعد مغادرته، تنفس العراق الصعداء. لكن في غضون ثلاث سنوات، كانت الرايات السوداء ترفرف فوق الموصل.

وفي 30 سبتمبر/أيلول 2026، كان الجنود يغادرون في الاتجاه الآخر. وفي بغداد، وتحت لافتة تعلن «يوم السيادة»، استعرضت القوات العراقية أمام الحشود، فيما رفع أحد الجنود علامة النصر أمام عدسات الكاميرات. بدا المشهد وكأنه تكرار لما حدث سابقاً، لكن بموسيقى أفضل.

إلا أنه ليس كذلك. يمكن أن يُعذر رجل يرى غيوم العاصفة نفسها مرتين إذا سارع إلى ارتداء معطفه. لكن السماء المحيطة بالعراق أعادت ترتيب نفسها منذ عام 2011، والرياح التي كانت تهب آنذاك باتجاه الانهيار تهب اليوم، وإن بصورة غير مستقرة، باتجاه تعزيز سيطرة الدولة.

يحمل الانسحاب الحالي مخاطر جدية، لكن تكرار الانهيار الذي حدث بين عامي 2011 و2014 ليس السيناريو الأكثر ترجيحاً.

ما الذي تغير حول العراق؟

تحول ضعف التسوية التي أعقبت انسحاب 2011 إلى خطر حقيقي لأن الهشاشة الداخلية للعراق سرعان ما تزامنت مع انهيار جغرافي إقليمي.

تحولت الانتفاضة السورية إلى حرب أهلية، ولم تعد الحدود العراقية–السورية تعمل كحاجز أمني فعال، فيما اكتسبت الشبكات الجهادية التي بقيت على قيد الحياة أراضي وعمقاً عملياتياً في كلا البلدين.

كانت المؤسسات الأمنية العراقية متفاوتة في قدراتها، بينما ظلت العلاقات بين بغداد وإقليم كردستان العراق متوترة.

وكانت إيران تمتلك بالفعل علاقات سياسية ومسلحة عميقة داخل العراق، بالتوازي مع تحالفها مع نظام الأسد وحزب الله. وهكذا كانت عدة ضغوط تضعف سلطة الدولة وتسير في الاتجاه نفسه.

لا يزال العراق اليوم منقسماً سياسياً، لكن مؤسساته الأمنية أقل هشاشة.

وقد جرى دفع تنظيم داعش إلى مستوى تمرد محدود، ولم يعد يشكل الأجندة الأمنية للبلاد بالطريقة التي كان يفعلها قبل عقد.

كما راكمت القوات العراقية أكثر من عشر سنوات من الخبرة في مكافحة الإرهاب، بينما وضع إقليم كردستان العراق رسمياً تشكيلات البيشمركة القديمة تحت مظلة وزارة شؤون البيشمركة.

ولا يمحو هذا الإصلاح الولاءات الحزبية، لكنه يزيل جزءاً من مواطن الضعف التي كانت تعقّد التنسيق الأمني في شمال العراق.

وتتحرك سوريا أيضاً باتجاه مزيد من توحيد الأراضي تحت سلطة حكومة ما بعد الأسد. فقد استعادت دمشق السيطرة على أجزاء واسعة من البلاد، في حين حُلّت قوات سوريا الديمقراطية «قسد» بوصفها بنية عسكرية مستقلة ودخلت في عملية اندماج تقودها الدولة.

وبالتالي، لم تعد الحدود العراقية–السورية تواجه النوع نفسه من الفراغ الإقليمي المتوسع الذي سمح لحركة جهادية ضعيفة بإعادة بناء نفسها والتحول إلى جيش عابر للحدود.

لقد حدث الانسحاب الأمريكي الأول في الوقت الذي كانت فيه الجبهة الغربية للعراق تتجه إلى أن تصبح أقل قابلية للحكم، بينما يحدث الانسحاب الثاني في وقت يجري فيه، بصورة تدريجية، إعادة تلك الجبهة إلى سلطة الدولة.

وتزيد إيران هذه الصورة تعقيداً، لأن سقوط الأسد وإضعاف حزب الله ألحقا ضرراً بالبنية الإقليمية التي أمضت طهران عقوداً في بنائها، وهو ما يزيد الأهمية النسبية للعراق بالنسبة إلى قدرة إيران على ممارسة نفوذها الإقليمي.

ولا تزال الفصائل العراقية المتحالفة مع إيران متغلغلة في السياسة والاقتصاد، كما يحتفظ بعضها بصواريخ وطائرات مسيرة لا تسيطر عليها الحكومة الاتحادية بصورة كاملة.

وتُظهر الحرب الحالية أيضاً مدى السرعة التي يمكن أن تصبح فيها الأراضي العراقية عرضة لصراعات لم تبدأها بغداد ولا تستطيع السيطرة عليها بالكامل.

وتسحب المغادرة الأمريكية إحدى الحجج التي استخدمتها هذه الجماعات لتبرير الاحتفاظ بأسلحتها، لكن بغداد لا تزال تفتقر إلى القدرة القسرية التي تمكنها من نزع سلاح أقوى الفصائل بمجرد إصدار أمر بذلك.

لماذا يهم ميزان القوى الإقليمي؟

لا يزال هذا الاتجاه نحو تعزيز سيطرة الدولة هشاً أكثر من كونه أمراً راسخاً.

فالحرب مع إيران مستمرة في تعطيل طرق التجارة والمجال الجوي، فيما تحتفظ جماعات مسلحة في أنحاء المنطقة بقدرات عسكرية مستقلة.

ومع ذلك، يرتبط العراق بصورة متزايدة بدوله المجاورة من خلال مصالح تستفيد من وجود حدود أكثر قوة وسلطة أكثر قابلية للتنبؤ.

وتحتل تركيا موقعاً مركزياً في هذه المعادلة، لأن أنقرة باتت تحتفظ بعلاقات عمل مع بغداد وأربيل والسليمانية.

وقد فتح قرار حزب العمال الكردستاني حل نفسه مساراً صعباً لا يزال تنفيذه غير مكتمل، بينما شكل قرار تركيا في عام 2025 إعادة فتح مجالها الجوي أمام السليمانية خطوة ملموسة في تخفيف الضغوط بين أنقرة والمنطقة الخاضعة لسيطرة الاتحاد الوطني الكردستاني.

وتكتسب هذه القدرة الأوسع على التواصل أهميتها الكبرى في الأماكن التي تتداخل فيها المصالح الأمنية التركية مع السيادة العراقية.

واتفقت تركيا والعراق على إعادة معسكر بعشيقة–زليكان تدريجياً إلى السيطرة الاتحادية العراقية بالتزامن مع استعادة بغداد سلطتها في سنجار.

وبعشيقة–زليكان منشأة عسكرية تركية تقع شمال شرقي الموصل، بينما سنجار منطقة ذات غالبية إيزيدية غرب المدينة عملت فيها على مدى سنوات جهات مسلحة متنافسة.

وإذا جرى تنفيذ الاتفاق، فإنه سيحول نزاعاً طويل الأمد بشأن السيادة إلى عملية تسمح فيها زيادة السيطرة العراقية بتقليص الوجود العسكري التركي.

وتوجد مشكلة مرتبطة بذلك إلى الشمال، حيث تعتمد استدامة انسحاب حزب العمال الكردستاني جزئياً على قدرة حرس الحدود العراقي وقوات البيشمركة على منع المواقع التي يتم إخلاؤها من التحول مرة أخرى إلى فراغات أمنية.

ويمنح بحث العراق عن طرق بديلة للتصدير هذه المعادلة الأمنية أساساً مادياً.

فبعدما كشفت الاضطرابات المحيطة بمضيق هرمز هشاشة الاعتماد بصورة شبه كاملة على منافذ التصدير الجنوبية، بدأت بغداد عملية تجريبية لنقل النفط الخام من جنوب العراق شمالاً باتجاه كركوك، بهدف تصديره عبر تركيا إلى ميناء جيهان.

أما مشروع «طريق التنمية» فهو مشروع منفصل، لكنه يسير في الاتجاه نفسه عبر ربط جنوب العراق بتركيا براً.

ولذلك، يكتسب الأمن حول الموصل والمناطق الشمالية المؤدية إلى تركيا أهمية متزايدة بالنسبة إلى التجارة وإيرادات الدولة، وليس لمكافحة الإرهاب فحسب.

وتستطيع تركيا المساعدة في ربط هذه المسارات، لأن مصالحها الأمنية وطرقها التجارية وعلاقاتها مع مراكز القوى العراقية المختلفة تتداخل جغرافياً.

ويمنح ذلك أنقرة مساحة لدعم ترتيبات تقلل المناطق المتنازع عليها أمنياً.

لكن تركيا، في المقابل، لا تستطيع توفير جميع القدرات التي يحتاجها العراق، كما أن استمرار دور تركي على المدى الطويل يتطلب في نهاية المطاف أن تصبح المؤسسات العراقية قوية بما يكفي لتقليل الحاجة إلى العمل العسكري التركي.

أين يمكن أن يفشل هذا المسار؟

يكمن الخطر الأكبر في أن يتحول العراق مرة أخرى إلى ساحة تُخاض فيها المنافسات الخارجية من خلال أطراف محلية.

وتقول حكومة إقليم كردستان إن أكثر من ألف طائرة مسيرة وصاروخ باليستي ضربت أراضي الإقليم خلال الحرب الإقليمية الحالية، في وقت لا ترافق فيه المغادرة الأمريكية منظومة دفاع جوي بديلة.

كما تحتفظ الفصائل المتحالفة مع إيران بالقدرة على جر العراق إلى صراعات تفضل بغداد الابتعاد عنها.

وتكتسب هذه المخاطر أهمية لأن الاتجاه الإقليمي الأكثر إيجابية لا يزال غير مكتمل.

ففي عام 2011، غادرت القوات الأمريكية في الوقت الذي كانت فيه البيئة المحيطة بالعراق تصبح أكثر ملاءمة للتفكك.

أما في عام 2026، فإن بعض الضغوط المهمة تتحرك باتجاه تعزيز سلطة الدولة وتحقيق ترابط إقليمي أكثر أمناً، حتى في الوقت الذي تستمر فيه الحرب والمنافسة بالوكالة في الدفع بالاتجاه المعاكس.

وسيتوقف نجاح الانسحاب الأمريكي الثاني واستمراره بدرجة أقل على غياب الأخطار، وبدرجة أكبر على قدرة العراق وجيرانه على منع هذا التوازن من الانقلاب مجدداً باتجاه التفكك.

Comments