بقلم: أبوستولوس ثوماداكيس - رئيس الأبحاث في المعهد الأوروبي لأسواق رأس المال (ECMI)
بينما تعرّض أمريكا تحالفاتها للخطر.. أوروبا تتعلم الاعتماد على نفسها
في الوقت الذي تسعى فيه الولايات المتحدة إلى توسيع حرية تحركها وتقليل القيود الدولية المفروضة عليها، وتطالب بتحقيق عوائد أكثر فورية من تحالفاتها، فإنها تقوّض، من خلال هذا النهج، المؤسسات والشراكات والمصداقية التي تمكّنها من ممارسة نفوذ يفوق بكثير حجم قوتها الاقتصادية والعسكرية.
في المقابل، تتحمل أوروبا مسؤولية أكبر عن أمنها، وتعمل على تعزيز قدراتها الدفاعية، وتطوير الآليات اللازمة لإدارة اعتمادها الاستراتيجي على الأطراف الخارجية. ورغم أن التقدم في هذا المسار لا يسير بوتيرة متساوية، فإن أوروبا تتجه تدريجياً نحو النضج بوصفها قوة استراتيجية.
مفارقة القوة الأمريكية
لا ينبغي النظر إلى التحول في السياسة الأمريكية باعتباره مجرد انكفاء نحو الداخل أو عودة إلى الانعزالية التقليدية. فالولايات المتحدة لا تزال مستعدة لاستخدام قدراتها الاقتصادية والسياسية والعسكرية الكبيرة، لكنها أصبحت أكثر انتقائية في تحديد كيفية توظيف هذه القدرات.
لقد رفضت استراتيجية الأمن القومي الأمريكية لعام 2025 صراحةً فكرة استمرار الولايات المتحدة في تحمل مسؤوليات عالمية لا ترتبط بالضرورة بمصالحها الوطنية. واعتبرت أن الحقبة التي كانت فيها واشنطن تتحمل بمفردها الجزء الأكبر من مسؤولية دعم النظام الدولي قد انتهت، داعيةً إلى تقاسم الأعباء مع الحلفاء، بل ونقل جزء من هذه الأعباء إليهم.
وبات هذا التحول واضحاً بصورة متزايدة على أرض الواقع، إذ أصبحت الالتزامات الأمنية والتعريفات الجمركية، بما في ذلك إمكانية الوصول إلى السوق الأمريكية، تُستخدم أوراقاً تفاوضية في التعاملات الثنائية، حتى مع الحلفاء التقليديين.
ويكمن الفرق بين تقاسم الأعباء والنهج القائم على الصفقات في أن الأول يسعى إلى توزيع أكثر عدالة للمسؤوليات داخل التحالف، بينما يجعل الثاني الالتزام بالتحالف مشروطاً بما يستطيع كل شريك تقديمه في المقابل.
وهناك حجج قوية تدعم جانباً من هذه الأجندة؛ فمن المنطقي أن يتحمل الحلفاء الأكثر ثراءً نصيباً أكبر من مسؤولية الدفاع عن أنفسهم. فقد أصبح اعتماد أوروبا على الولايات المتحدة مفرطاً، في حين أدت سنوات من نقص التمويل إلى إضعاف الجاهزية العسكرية الأوروبية وقاعدتها الصناعية.
وعليه، فإن مطالبة أوروبا بتحمل مسؤولية أكبر لا تعني بالضرورة التخلي عن العلاقة عبر الأطلسي.
لكن الخطر الأساسي يكمن في الخلط بين تقاسم الأعباء والتعاملات القائمة على الصفقات، وفي إعادة تفسير التحالفات باعتبارها أعباءً على الولايات المتحدة بدلاً من كونها أصولاً استراتيجية.
فالتحالفات لا تفرض التزامات على واشنطن فحسب، بل توفر لها أيضاً إمكانية الوصول إلى مناطق ومرافق استراتيجية، ومعلومات استخباراتية، وقدرات عسكرية وسياسية، ودعماً دولياً وشرعية على الساحة العالمية.
وتصف الدراسات المتعلقة بالتحالفات الأمريكية هذه الشراكات بأنها وسيلة لتعزيز القوة الأمريكية من خلال دمجها مع القدرات الوطنية للدول الحليفة. كما تمثل شبكة التحالفات إحدى أبرز المزايا الاستراتيجية التي تتمتع بها الولايات المتحدة مقارنة بالصين.
وهنا تبرز مفارقة النهج الأمريكي الجديد.
فواشنطن تسعى إلى توسيع حرية تحركها عبر تخفيف التزاماتها والتعامل مع الدول الأخرى بمنطق أكثر ارتباطاً بالمصالح المباشرة والصفقات المتبادلة.
وقد تنجح هذه الاستراتيجية على نحو محدود في المدى القصير، إذ قد تقدم الدول التي اعتادت العمل ضمن الفلك الأمريكي تنازلات لتجنب المواجهة مع واشنطن.
لكن النهج نفسه سيدفع هذه الدول، على المدى الطويل، إلى تقليص اعتمادها على الولايات المتحدة، من خلال تنويع شراكاتها وتعزيز قدراتها الذاتية.
وحتى إذا استمرت في التعاون مع واشنطن، فإن الثقة باستمرارية الالتزامات الأمريكية ستتآكل مع تغير السياسات بين الإدارات الأمريكية المتعاقبة.
وهكذا، تكسب الولايات المتحدة مرونة أكبر في تحركاتها، لكنها تدفع ثمن ذلك من قدرتها على التأثير في شركائها.
وهذا هو جوهر المفارقة المتمثلة في محاولة التقدم إلى الأمام عبر اتخاذ خطوات إلى الخلف.
ولا ينبغي لأوروبا أن تنظر إلى النهج الأمريكي الجديد باعتباره مرحلة عابرة يمكن تجاهلها وانتظار انتهائها.
فقد تعود إدارة أمريكية مستقبلية إلى إعطاء الأولوية للتحالفات والمؤسسات متعددة الأطراف، لكن الحكومات الأوروبية لا تستطيع افتراض أن السياسة الأمريكية ستظل ثابتة بصرف النظر عن نتائج الانتخابات المقبلة.
وبمجرد أن يصبح احتمال انقطاع الاستمرارية في الالتزامات الأمريكية أمراً واضحاً، فإن تقليل الاعتماد المفرط على الولايات المتحدة يتحول إلى إجراء لإدارة المخاطر، وليس إلى موقف معادٍ لأمريكا.
أوروبا لم تعد تقف مكتوفة الأيدي
بالنسبة إلى أوروبا، لا تعني هذه التطورات أن العلاقة عبر الأطلسي فقدت أهميتها.
فحلف شمال الأطلسي (الناتو) لا يزال يمثل الركيزة الأساسية للدفاع الجماعي الأوروبي، وستبقى الشراكة مع الولايات المتحدة حيوية في العديد من المجالات.
لكن الدرس المستخلص هو أن هذه الشراكة لم يعد من الممكن أن تستند إلى اعتماد أوروبي دائم على واشنطن، أو إلى افتراض أن جميع الإدارات الأمريكية ستتبنى النهج نفسه تجاه التحالفات.
ولحسن الحظ، لا تبدأ أوروبا من نقطة الصفر. فقد أنفقت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي نحو 418 مليار يورو على الدفاع خلال عام 2025، بزيادة بلغت 20% مقارنة بعام 2024، وهو ما يعادل 2.2% من إجمالي ناتجها المحلي المشترك.
ومن المتوقع أن يرتفع الإنفاق الدفاعي الأوروبي إلى 454 مليار يورو في عام 2026.
كما رفعت الدول الأوروبية الأعضاء في الناتو، إلى جانب كندا، إنفاقها الدفاعي بنحو 20% بالقيمة الحقيقية خلال عام 2025. غير أن زيادة الإنفاق وحدها ليست كافية.
فالتحاد الأوروبي بدأ أيضاً بناء إطار أكثر تماسكاً لتنظيم هذا الإنفاق وتوجيهه نحو تعزيز القدرات الدفاعية المشتركة.
وتوفر أداة «العمل الأمني من أجل أوروبا» (SAFE)، البالغة قيمتها 150 مليار يورو، دعماً للاستثمارات الدفاعية من خلال القروض، مع تشجيع المشتريات العسكرية المشتركة.
كما تحدد الورقة البيضاء الأوروبية للدفاع وأجندة «الجاهزية 2030» الثغرات في القدرات العسكرية، والقيود التي تواجه الصناعات الدفاعية، والمجالات التي تتطلب تنسيقاً أوروبياً أكبر.
وتعمل أوروبا أيضاً على إعادة بناء شراكاتها خارج الحدود المؤسسية للاتحاد الأوروبي.
فقد أرست شراكة الأمن والدفاع بين الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة، التي أُبرمت في أيار/مايو 2025، إطاراً منظماً للتعاون في مجالات تشمل الأمن البحري والفضائي، والتهديدات السيبرانية، والبنية التحتية الحيوية، وإدارة الأزمات.
كما وقع الاتحاد الأوروبي شراكة مماثلة مع كندا في حزيران/يونيو 2025، وأصبحت كندا منذ ذلك الحين أول دولة غير أوروبية يُسمح لشركاتها بالمشاركة في المشتريات ضمن برنامج SAFE.
ولا يقتصر هذا التحول على المجال الدفاعي. فمن خلال آليات فحص الاستثمارات، وأداة مكافحة الإكراه الاقتصادي، وتدابير الدفاع التجاري، والسياسات المتعلقة بالمواد الخام الحيوية، بدأ الاتحاد الأوروبي تطوير أدوات تهدف إلى تقليل مواطن الضعف الاقتصادي والاستراتيجي، من دون التخلي عن مبادئ الاقتصاد المفتوح.
ومع ذلك، ينبغي التعامل مع هذه المبادرات بقدر من الحذر.
فزيادة الإنفاق لا تعني دائماً امتلاك قدرات عسكرية يمكن نشرها واستخدامها فعلياً.
ولا تزال أسواق الدفاع الأوروبية مجزأة، فيما تبقى المشتريات المشتركة استثناءً أكثر منها قاعدة، وغالباً ما تعرقل المصالح الصناعية الوطنية جهود دمج الصناعات الدفاعية وتوحيدها.
كذلك، لا تزال أوروبا تعتمد بدرجة كبيرة على الولايات المتحدة في عدد من القدرات الاستراتيجية الأساسية، بما في ذلك الاستخبارات، والقيادة والسيطرة، والنقل الاستراتيجي، والردع النووي.
وتواصل وكالة الدفاع الأوروبية الدعوة إلى زيادة الاستثمارات التعاونية، وتحقيق قابلية التشغيل البيني بين القوات والأنظمة العسكرية، وتطوير القدرات بصورة منسقة.
لقد بدأ التحول بالفعل، لكن أوروبا لم تصل بعد إلى مرحلة امتلاك القدرة على التصرف بصورة مستقلة عندما تقتضي الضرورة. ومع ذلك، فإن التغيير حقيقي وملموس.
فالقارة الأوروبية تنتقل تدريجياً من نظام كانت فيه الحماية الأمريكية هي العنصر المهيمن، إلى نظام يتحمل فيه الأوروبيون مسؤوليات أكبر، ويستثمرون بصورة أوسع في قدراتهم الذاتية، ويتعاونون مع مجموعة أكثر تنوعاً من الشركاء.
النضج الاستراتيجي وليس الانفصال
لا ينبغي أن يكون الهدف تشجيع أوروبا على الانفصال عن الولايات المتحدة.
فعلى العكس، يمكن تعزيز العلاقة عبر الأطلسي من خلال تقوية القدرات الأوروبية ومعالجة الاختلال السياسي الذي ظل لفترة طويلة إحدى السمات الأساسية لهذه العلاقة.
ويعني النضج الاستراتيجي امتلاك خيار التعاون، بدلاً من الاضطرار إلى التعاون لغياب أي بديل آخر.
ولا ينبغي لأوروبا أن تسعى فقط إلى استعادة شكل العلاقة القديمة.
فإذا تبنت إدارة جديدة في واشنطن نهجاً أكثر تقليدية تجاه التحالفات، فلا ينبغي للحكومات الأوروبية أن تفترض استحالة حدوث تحول جديد في الاتجاه المعاكس.
فالسياسات في واشنطن قد تتغير مع كل انتخابات، في حين أن إصلاح الأضرار التي تلحق بالثقة والقدرات يستغرق وقتاً أطول بكثير.
وفي المقابل، قد تعتقد الولايات المتحدة أنها ستستفيد من التحرر من القيود التي تفرضها التحالفات والمؤسسات الدولية، لكن هذه التحالفات والمؤسسات تمثل في الوقت نفسه مصادر أساسية للقوة الأمريكية.
ومن شأن تقويضها أن يمنح واشنطن مرونة أكبر في التحرك الأحادي خلال المرحلة الراهنة، لكنه قد يؤدي إلى تقليص خيارات الشراكة المتاحة أمامها مستقبلاً.
وأخيراً، بدأت أوروبا تستخلص النتائج الصحيحة من هذه التحولات.
فهي تزيد إنفاقها، وتعزز قدراتها، وتعالج مواطن اعتمادها الاستراتيجي على الأطراف الخارجية، وتطور شراكات أكثر قوة.
لكن التحدي الذي يواجهها الآن يتمثل في تحويل الإنفاق الدفاعي الوطني إلى قدرات مشتركة ومتكاملة وقابلة للعمل معاً، وتعميق التعاون مع المملكة المتحدة وكندا وغيرها من الدول التي تتبنى توجهات متقاربة.
كما يتعين عليها تقليص مواطن الضعف في مجالات الدفاع والتكنولوجيا والطاقة والبنية التحتية المالية، مع الحفاظ في الوقت نفسه على الانفتاح على التجارة والاستثمار والتعاون الدوليين.
وبينما تسعى الولايات المتحدة إلى توسيع حرية تحركها، مع ما ينطوي عليه ذلك من مخاطر إضعاف تحالفاتها، تتحرك أوروبا في الاتجاه الصحيح.
فهي لم تصل بعد إلى مرحلة الاعتماد الكامل على نفسها، لكنها بدأت أخيراً تتعلم كيف تقف على قدميها.
المعهد العراقي للحوار الراعي اللوجستي لمعرض بغداد الدولي للكتاب يفتتح جناحه الخاص في المعرض
Official agreement between Iraqi Institute for Dialogue and the Iraqi Media Network to sponsor The Seventh Annual International Conference of “Baghdad Dialogue” 2025
المعهد العراقي للحوار يصدر "الحقيبة الدبلوماسية" للدكتور كرار البديري
دعوة استكتاب في العدد (79) من مجلة "حوار الفكر"
رئيس الوزراء: طريق التنمية سيجعل العراق قوة اقليمية سياسة واقتصادية
كلمة مدير المعهد العراقي للحوار في مؤتمر حوار بغداد الدولي السادس
استكتاب خاص بمؤتمر حوار بغداد الدولي السابع لكتابة أوراق بحثية
Comments