الكاتب: محرم زينالوف -بي بي سي
هل أحدثت إسرائيل شرخاً بين تركيا وأذربيجان؟
«دولتان، أمة واحدة». منذ تسعينيات القرن الماضي، كان هذا الشعار رمزاً للعلاقات الوثيقة بين أذربيجان وتركيا، وكان كثيرون في باكو يعدّون تركيا حليفاً سياسياً وعسكرياً. وقد أعرب إلهام علييف مراراً عن امتنانه لدعم تركيا في حرب قره باغ، فيما رفرفت الأعلام التركية في شوارع باكو.
لكن الحرب الإسرائيلية في غزة أظهرت مدى التباين المحتمل بين مصالح باكو وأنقرة. فتركيا تعارض علناً إسرائيل، الحليف الآخر لأذربيجان. والآن يقول علييف إنه لم تكن هناك مساعدات، وإن باكو اشترت جميع أسلحتها بأموالها. لماذا حدث ذلك؟
قال إلهام علييف: «لا نحتاج إلى مساعدة أحد ولا إلى دعم أحد. عندما كنا بحاجة إلى المساعدة، لم يساعدنا أحد. وعندما كان لدينا مليون لاجئ، لم يمدّ أحد إلينا يد العون. كل ما حصلنا عليه اشتريناه بالمال. واشترينا جميع الأسلحة أيضاً بالمال وبالأسعار العالمية، حتى آخر طلقة».
أدلى علييف بهذه التصريحات في 2 أكتوبر/تشرين الأول 2026، خلال لقاء مع أعضاء الحزب الحاكم «أذربيجان الجديدة». ولم يذكر تركيا مباشرة عند حديثه عن عدم حاجة أذربيجان إلى مساعدة أو دعم خارجي، لكن تصريحاته دفعت كثيرين في أذربيجان وتركيا إلى التساؤل عمّا إذا كان يقصد تركيا.
وقال راسم موسابكوف، عضو برلمان أذربيجان، لبي بي سي: «خلال الحرب، لم يساعدنا أحد بالفعل، لكن أذربيجان وتركيا تربطهما علاقات تحالف، ولا يوجد أي خلاف بين البلدين».
في غضون ذلك، كتبت وسائل إعلام أذربيجانية خلال الأيام القليلة الماضية، من دون الإشارة المباشرة إلى تركيا، أن أذربيجان دولة مستقلة ويجب ألّا تخضع لأي نفوذ خارجي. ونقلت مقتطفات من تصريحات الرئيس وحلّلتها.
وكتب المحلل السياسي الأذربيجاني فرهاد ممدوف: «لفت إلهام علييف الأنظار إلى مسألة الأمن الأيديولوجي، ووضعه عملياً على قدم المساواة مع الأمن المادي». وخلص إلى أن «تصريحات إلهام علييف تحتاج إلى دراسة أعمق وشرح واستخلاص نتائج».
بعد انتصار أذربيجان في حرب قره باغ عام 2020، امتلأت شوارع باكو بالأعلام التركية. واتصل علييف بأردوغان بعد يوم واحد من توقيع اتفاق وقف إطلاق النار، وشكر تركيا على دعمها السياسي. وكرّر ذلك مراراً لاحقاً، لكنه لم يتحدث قط عن «دعم عسكري».
بعد الحرب، وقّع علييف وأردوغان إعلاناً بشأن التحالف العسكري. لكن أذربيجان وتركيا كانتا تجريان مناورات عسكرية مشتركة منذ سنوات، حتى قبل ذلك، وما زالتا تواصلانها. كما يجري تحديث الجيش الأذربيجاني وفق النموذج التركي.
وخلال الحرب التي استمرت 44 يوماً، استخدمت أذربيجان طائرات «بيرقدار» المسيّرة التركية، التي اكتسبت لاحقاً شهرة واسعة ومنحتها تفوقاً جوياً على أرمينيا. ولم يُقل قط إن تركيا قدّمت هذه المسيّرات بالضرورة هديةً لأذربيجان، لكن علييف لم يكن قد شدّد سابقاً أيضاً على أنها اشتُريت.
بعد الحرب، بدأت عمليات إعادة إعمار واسعة في المناطق التي عادت إلى سيطرة أذربيجان، وشاركت فيها شركات تركية. واكتشف صحفيون أذربيجانيون أن إحدى هذه الشركات مملوكة لأحد أقارب أردوغان.
يقول حسن سليم أوزرتم، المحلل السياسي المقيم في أنقرة: «بالنظر إلى تصريحات علييف بشأن عدم تقديم أي أحد مساعدة لأذربيجان، يمكن افتراض أن هذه التصريحات جاءت لتوجيه رسالة إلى تركيا».
ويقول إن جزءاً مهماً من هوية أذربيجان يقوم على استعادة قره باغ، وعلى الرواية القائلة إن شعب أذربيجان نفسه هو من أنجز ذلك.
ويقول كيريل كريفوشيف، الصحفي المستقل والمحلل السياسي الذي أدرجته السلطات الروسية في قائمة «العملاء الأجانب»: «قدّمت تركيا في المقام الأول مساعدة متخصصة. وأقصد بذلك معلومات الاستطلاع والمعلومات الاستخباراتية، وسنوات من تدريب الجيش الأذربيجاني وتأهيله، والتقارب والتنسيق العملي بين الجيشين، وإجراء المناورات المشتركة باستمرار. هذه هي المساعدات التي قدّمتها تركيا».
واستخدمت أذربيجان في تلك الحرب أيضاً مسيّرات «هاروب» الإسرائيلية. وبعد الاتفاق مع أرمينيا بوساطة روسية في 10 نوفمبر/تشرين الثاني 2020، شوهدت الأعلام الإسرائيلية أيضاً في شوارع باكو.
هل أحدثت إسرائيل شرخاً بين الحليفين؟
يبدو أن الخلاف بين أذربيجان وتركيا ظهر إلى العلن بعدما اعتلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو المنصة في الاجتماع الأخير للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، وتحدث عن أجهزة «البيجر» المفخخة التي استخدمتها إسرائيل ضد عناصر حزب الله اللبناني.
وفي الوقت نفسه، غادر ممثلو عدد من الدول القاعة احتجاجاً، فيما كانت تجري خارج مبنى الأمم المتحدة تظاهرات ضد حضور نتنياهو.
وانتشرت سريعاً على وسائل التواصل الاجتماعي صور ممثل أذربيجان الذي بقي في القاعة بين المقاعد الفارغة. ولم يَرُق لوسائل الإعلام التركية أن يغادر ممثل تركيا القاعة، بينما يبقى ممثل أذربيجان فيها. فقد رأت أن باكو لم تتصرف بما يتناسب مع كونها حليفاً.
تربط أذربيجان علاقات جيدة بكلٍّ من تركيا وإسرائيل. وهي تبيع النفط لكلا البلدين، وتشتري الأسلحة منهما.
أما علاقات أذربيجان وإيران فليست جيدة إلى هذا الحد. فقد اتهم مسؤولون عسكريون إيرانيون أذربيجان بنقل معلومات عسكرية إلى إسرائيل، لكن باكو تنفي هذا الاتهام. كذلك، في مارس/آذار من هذا العام، بالتزامن مع بدء الحرب الأمريكية والإسرائيلية مع إيران، يبدو أن طهران شنّت هجوماً بطائرات مسيّرة على الأراضي الأذربيجانية في نخجوان.
لكن حرب غزة وضعت أذربيجان عملياً أمام ضرورة الاختيار؛ ففي حين تدعم تركيا الفلسطينيين، تحاول أذربيجان البقاء على الحياد.
ويقول رسلان سليمانوف، الباحث في شؤون الشرق والخبير في مركز «نست»: «من الواضح أن كثيرين في تركيا، ولا سيما الأوساط الإسلامية، غير راضين عن علاقات باكو الوثيقة بإسرائيل. لكن، أولاً، هذه ليست مسألة ترغب أنقرة بسببها في الدخول في مواجهة مع أذربيجان».
وأضاف: «ثانياً، لدى تركيا نفسها موقف مزدوج. ففي الوقت الذي تنتقد فيه أنقرة القيادة الإسرائيلية بشدة، فإنها تواصل علاقاتها الاقتصادية مع إسرائيل، بما في ذلك عبور النفط الأذربيجاني والعراقي».
اختلاف جذور السلطة
في أواخر سبتمبر/أيلول، وفي مبنى الأمم المتحدة نفسه، أدان أردوغان حظر ارتداء الحجاب في المؤسسات التعليمية. ولم يذكر أذربيجان مباشرة، لكن مجلس الوزراء الأذربيجاني كان قد أقرّ مثل هذا الحظر قبل يوم واحد.
ويقول أوزرتم: «ربما اعتبرت باكو خطاب الرئيس التركي في الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتركيزه على حظر غطاء الرأس في المدارس، محاولةً للتدخل في السياسة الداخلية لأذربيجان».
ويقول رسلان سليمانوف: «يمكن النظر إلى تركيا بوصفها دولة ازداد فيها استخدام الإسلام والرموز الإسلامية أدواتٍ في السياسة منذ وصول حزب العدالة والتنمية بقيادة أردوغان إلى السلطة».
وأضاف: «أما في أذربيجان، فبعد 70 عاماً من الدعاية الإلحادية، هُمّش دور الإسلام عملياً، ولا سيما في السياسة. ولذلك يمكن القول إن المجتمع الأذربيجاني أكثر علمانية إلى حدٍّ ما من المجتمع التركي، خصوصاً في المجال السياسي».
نُظّمت أخيراً في تركيا تظاهرات ضد القيود المفروضة على الحجاب في أذربيجان. وبحسب العبارات المكتوبة على اللافتات، تساءل بعض المشاركين عمّا إذا كان لا يزال بالإمكان، بعد فرض مثل هذا الحظر، اعتبار أذربيجان وتركيا دولتين صديقتين.
وفي تركيا نفسها، فرضت السلطات السابقة قيوداً مشابهة عام 1997. وقد وصل أردوغان إلى السلطة تحديداً في سياق النضال من أجل حقوق المتدينين، وما زال يتناول الإسلام مراراً في خطاباته.
لكن الوضع مختلف في أذربيجان. فعلييف، بخلاف أردوغان، لم يكن قبل وصوله إلى السلطة سياسياً معروفاً على الساحة العامة، ولا معارضاً سياسياً، ولا شخصاً مشهوراً بتبنّي آراء دينية.
وهو يستفيد إلى حدٍّ كبير من الإرث السياسي لوالده حيدر علييف، الذي عمل في أعلى المستويات الحزبية في الاتحاد السوفيتي، الدولة التي تبنّت سياسة رسمية مناهضة للدين.
وحُظر الحزب الإسلامي في أذربيجان منذ تسعينيات القرن الماضي. ويقول مراقبون إن إلهام علييف واصل بدوره مواجهة الإسلام السياسي طوال فترة حكمه.
وكان قسم كبير من السجناء السياسيين في هذا البلد، سواء في الوقت الحاضر أو في السنوات الماضية، من أعضاء الجماعات والمنظمات الدينية المختلفة أو المرتبطين بها.
ما تداعيات هذه الخلافات؟
مع ذلك، يرى الخبراء أن الروابط بين تركيا وأذربيجان واسعة إلى درجة تجعل حدوث خلاف جدي بين البلدين أمراً مستبعداً.
ويقول سليمانوف: «أعتقد أن الخلاف الذي نتحدث عنه أقرب إلى “ضجيج إعلامي”. وسيستمر هذا الضجيج وهذه الموجات حتى الاجتماع المقبل لوزيري الخارجية أو رئيسي البلدين، وهي اجتماعات تُعقد بانتظام، كما نعلم».
ويقول أوزرتم: «بالنظر إلى مستوى العلاقات بين البلدين، أعتقد أن هذا الوضع مؤقت. ومع ذلك، فهذه اختبارات مهمة لمتانة العلاقات الثنائية، ولا يمكن القول إن مثل هذه الأحداث لن تتكرر».
وأضاف: «أعتقد أننا سنشهد مثل هذه التقلبات مع تقدّم عملية تطبيع العلاقات في القوقاز. كما أن الصراع بين إسرائيل وإيران سيترك تأثيراً واضحاً في المناخ السياسي».
ويقول كريفوشيف: «العلاقات مع تركيا قوية إلى درجة لا أعتقد معها أن جدلاً صغيراً يمكن أن يضرّ بها».
ويذكّر بأن إسرائيل وتركيا عقدتا محادثاتهما بشأن الوضع في سوريا، حيث توجد مصالح لكلا البلدين، على الأراضي الأذربيجانية، ولم يعترض أيٌّ منهما آنذاك على موقف أذربيجان المحايد.
ومع ذلك، يرجّح أن يتمكن التباين الأيديولوجي فعلاً من تمهيد الطريق لخلافات خلال السنوات المقبلة، إذا لم يغيّر أحد البلدين نظرته إلى الإسلام السياسي.
ويقول: «هذا هو الوضع الأخطر: عندما تتبع دولتان متقاربتان أيديولوجيتين مختلفتين. فتركيا تسير في مسار الإسلام السياسي، بينما أذربيجان نظام استبدادي علماني. ومع مرور السنوات، يمكن أن يتحول هذا الاختلاف إلى خلافات حقيقية».
المعهد العراقي للحوار الراعي اللوجستي لمعرض بغداد الدولي للكتاب يفتتح جناحه الخاص في المعرض
Official agreement between Iraqi Institute for Dialogue and the Iraqi Media Network to sponsor The Seventh Annual International Conference of “Baghdad Dialogue” 2025
المعهد العراقي للحوار يصدر "الحقيبة الدبلوماسية" للدكتور كرار البديري
دعوة استكتاب في العدد (79) من مجلة "حوار الفكر"
رئيس الوزراء: طريق التنمية سيجعل العراق قوة اقليمية سياسة واقتصادية
كلمة مدير المعهد العراقي للحوار في مؤتمر حوار بغداد الدولي السادس
استكتاب خاص بمؤتمر حوار بغداد الدولي السابع لكتابة أوراق بحثية
Comments