د. نادية حلمي - أستاذة العلوم السياسية، كلية السياسة والاقتصاد، جامعة بني سويف – مصر.
الدبلوماسية الدينية الصينية: وساطة الأزهر في الانقسام الإيراني–السعودي
تستند رؤية بكين لحماية التنوع الديني من التلاعب السياسي والتحريض في الشرق الأوسط إلى مبدأ الأمن الشامل والحلول التنموية. وتنظر الصين إلى المبادرة الدينية للأزهر بوصفها ركيزة أخلاقية وقيمية تكمل جهودها الدبلوماسية التاريخية للوساطة بين الرياض وطهران.
وتتعامل بكين مع التنافس الإقليمي بين المحور الإيراني–الحوثي (الشيعي) والمحور السعودي–الخليجي (السني) من منظور جيوسياسي بحت، إذ ترى أن استغلال الهويات المذهبية ليس سوى أداة لتأجيج الصراعات، وليس السبب الجذري لها. ولذلك، تبدي الصين حذراً شديداً إزاء استخدام الدين والمذهبية وسيلةً للقوة الناعمة أو للاختراق الأيديولوجي من جانب القوى الدولية، ولا سيما الدول الغربية، بهدف إشعال الخلافات بين المحورين السني والشيعي في الشرق الأوسط.
وفي هذا الإطار، تتبنى بكين نهجاً دبلوماسياً براغماتياً يقوم على إدارة الاستقرار الإقليمي وحماية أمن طرق التجارة والطاقة، من خلال مبادرات تنموية وأمنية شاملة.
وتقوم الرؤية الصينية الشاملة على تحييد الخلافات الأيديولوجية والمذهبية، ومكافحة التوظيف السياسي للدين، للحيلولة دون تقويض المكاسب التي تحققت على صعيد السلام في الشرق الأوسط، ولا سيما بين محوري الصراع المذهبي: المحور الشيعي الحوثي–الإيراني والمحور السني السعودي–الخليجي. وتشمل هذه الرؤية أيضاً التدخل لإزالة أي تأثيرات أجنبية أو خارجية من شأنها تأجيج الصراع.
وفي حين ينظر الغرب إلى تحييد الدين باعتباره وسيلة لفصله عن الدولة وضمان حرية الأفراد في التنظيم، ترى الصين أن تحييده لا يتحقق إلا من خلال إخضاع المجال الديني لسيطرة الدولة وتوجيهه عبر مؤسساتها الوطنية وقنواتها الدينية المعتمدة، وفي مقدمتها الأزهر، الذي يمثل منارة للاعتدال والوسطية في الشرق الأوسط والعالمين العربي والإسلامي.
ووفقاً لهذا المنظور الصيني، ينبغي أن يصبح الدين أداة لتعزيز الاستقرار والانسجام الاجتماعي في إطار الهوية الوطنية المشروعة وسيادة الدولة، لا منصة للمعارضة أو التعبئة السياسية أو التحريض على صراعات الهويات والفصائل والطوائف والمذهبيات بين أبناء الوطن الواحد.
وتتقاطع الرؤية الصينية مع مبادرة الأزهر عبر مجموعة من آليات الحماية والتكامل، بما يسمح للاستراتيجية السياسية الصينية بأن تكمل الدور الروحي والديني المعتدل للأزهر في مصر، في معالجة الاستقطاب بين المحاور الإقليمية، أي المحور الحوثي–الإيراني والمحور السعودي–الخليجي، من خلال آليات محددة.
أولاً: آليات تحييد التوظيف السياسي للدين من المنظور الصيني
يقوم المنظور الصيني لتحييد التوظيف السياسي للدين على مبدأ أساسي وثابت، يتمثل في إخضاع المجال الديني بأكمله لسيادة الدولة ومؤسساتها وقنواتها الدينية المعتمدة، وقطع أي تأثيرات سياسية أو خارجية يمكن أن تشعل التحريض المذهبي والفوضى والانقسام بين الطوائف والأديان المختلفة.
وتعتقد بكين أن القوى الأجنبية قد تستغل الدين أداةً للاختراق السياسي، سواء عبر الحركات الغربية أو التيارات العابرة للحدود، بهدف زعزعة استقرار الدول، خصوصاً في ظل الصراع المذهبي بين الحوثيين الشيعة والقوى السنية بقيادة السعودية، عقب حرب إيران عام 2026.
ولذلك، استبدلت الصين، وفقاً لهذا التصور، النموذج الغربي القائم على الفصل بين الدين والدولة بنموذج لاحتواء الدين وتوجيهه لخدمة أهداف الدولة الوطنية وسيادتها، والحفاظ على موارد الدول والشعوب، وذلك من خلال مسارين:
1. إعطاء الأولوية للأمن المشترك على حساب الأيديولوجيا
تعتقد بكين أن الصراع السني–الشيعي ليس حتمياً، بل يجري توظيفه سياسياً لتوسيع النفوذ. ولهذا تعتمد الصين على مبادرة الأمن العالمي التي طرحها الرئيس الصيني شي جين بينغ، والتي تدعو إلى اعتماد الحلول الدبلوماسية التي تحترم سيادة الدول، وتحييد الخطاب التحريضي، وتقديم بدائل قائمة على الشراكات الاقتصادية.
2. النموذج التنموي بديلاً عن التطرف – مبادرة الحزام والطريق الصينية
تتبنى الصين نهجاً يقوم على التنمية السلمية، انطلاقاً من اعتقادها بأن معالجة الأسباب الجذرية للأزمات الاقتصادية في اليمن والمنطقة من شأنها تقويض الدعم الذي تحصل عليه الجماعات التي تستغل التعبئة المذهبية لتحقيق مكاسب عسكرية وسياسية.
ثانياً: دور الأزهر بوصفه مرجعية إسلامية معتدلة
يمثل الأزهر في مصر، باعتباره منارة للفكر المعتدل، ركيزة أساسية يدعمها النهج الصيني في إدارة التنوع الديني وحمايته من التحريض والعنف المذهبي والديني، وذلك من خلال:
1. تفكيك الخطاب المذهبي
يعمل الأزهر على نزع الشرعية عن المحاولات الرامية إلى تأطير الصراعات السياسية، مثل الصراع بين الحوثيين والتحالف بقيادة السعودية، ضمن ثنائية مذهبية تقوم على المواجهة بين السنة والشيعة.
2. طرح مبادرات شاملة للوساطة
تعزز المبادرات الدينية للأزهر، ومنها الدعوة إلى تشكيل لجان وساطة عربية وإسلامية لوقف نزيف الدم وإنهاء الحروب، جهود خفض التصعيد السياسي. ووفقاً للمقال، حظيت هذه المبادرات بقبول أولي وتفاعلات إيجابية من أطراف مختلفة، من بينها جهات يمنية وإقليمية.
3. ترسيخ فقه المواطنة بدلاً من الانتماء المذهبي
يدعو الأزهر إلى إعطاء الأولوية لمفهوم الدولة الوطنية على حساب الولاءات المذهبية العابرة للحدود. ويتوافق هذا التوجه مع المبدأ الصيني الذي يشدد على احترام السيادة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول.
ثالثاً: مسارات التكامل بين الوساطة السياسية لبكين والوساطة الروحية للأزهر
يمكن تحقيق التكامل بين الصين والأزهر من خلال توزيع الأدوار بين الصين، التي تضطلع بدور سياسي وتنموي، والأزهر، الذي يؤدي دوراً روحياً وفكرياً. ويمكن تحقيق ذلك عبر المسارات الآتية:
1. بناء الثقة الإقليمية بين محوري الصراع المذهبي والعقائدي في الشرق الأوسط
يمكن للصين والأزهر الإسهام في بناء الثقة الإقليمية من خلال رعاية اتفاق لاستئناف العلاقات السعودية–الإيرانية، بما يضمن توفير بيئة سياسية مستقرة.
وفي المقابل، يستطيع الأزهر بناء جسور فكرية وتعزيز الحوار داخل العالم الإسلامي، بهدف تقريب وجهات النظر الفقهية المختلفة ومنع تكفير الآخرين.
2. التكامل بين الصين والأزهر في احتواء الأزمة اليمنية
يمكن للصين والأزهر في مصر أداء دور في احتواء الأزمة اليمنية. فبكين تستطيع ممارسة ضغوط دبلوماسية لتأمين الممرات البحرية وخفض التوترات، بما يضمن استمرار حركة التجارة والاستثمار.
ويتكامل ذلك مع دور الأزهر في دعم مبادرات السلام وتوفير إطار شرعي وأخلاقي لها، فضلاً عن إنشاء لجان لخفض التصعيد والحوار بين الحوثيين الشيعة ودول الخليج.
3. التكامل في تأهيل الكوادر الدينية
يتقاطع مسار تأهيل الكوادر الدينية مع الدور السياسي والتنموي والاقتصادي للصين، والدور الديني للأزهر.
فالدور الصيني يركز على تعزيز التعاون المتبادل ومكافحة التطرف عبر القنوات الرسمية، وتقديم الدعم والتمويل لشؤون المؤسسات الدينية. أما الأزهر، بوصفه مرجعية دينية إسلامية وسيطة، فيركز على تدريب الأئمة ونشر قيم التسامح والتنوع، بما يمنع استخدام المنابر للتحريض المذهبي بين السنة والشيعة.
وقد أعدت الباحثة المصرية الجدول الآتي لتلخيص السياسات المرتبطة بهذه المسارات، وتوضيح الدور السياسي والتنموي والاقتصادي لبكين، إلى جانب الدور الديني والروحي للأزهر، في التعامل مع تعقيدات الصراع المذهبي بين السنة والشيعة، ولا سيما بين المحور الحوثي–الإيراني والمحور السعودي–الخليجي:
وخلاصة ذلك أن رؤية بكين للأمن الإقليمي، القائمة على المصالح التنموية المشتركة، تتكامل مع الدور الأخلاقي والفكري للأزهر. فالصين توفر الإطار السياسي والضمانات الدبلوماسية بين العاصمتين، الرياض وطهران، فيما يقدم الأزهر الغطاء الفكري والشرعي الذي يسهم في احتواء التحريض المذهبي وحماية التنوع الديني من التوظيف السياسي في إطار الصراع على النفوذ بين السنة والشيعة في المنطقة.
رابعاً: الحماية والتكامل بين الدبلوماسية الصينية ووساطة الأزهر
تتكامل الأدوار الوقائية للدبلوماسية الصينية البراغماتية، القائمة على طرح حلول للمشكلات والأزمات المتصاعدة في الشرق الأوسط، مع دور الأزهر بوصفه مؤسسة روحية ومرجعية دينية تسعى إلى استعادة الاستقرار الديني والمذهبي في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج.
ويتوافق هذا التكامل مع الدور السياسي والتنموي للصين عبر الآتي:
1. التكامل بين التأثير الأخلاقي والتأثير السياسي
تعتقد الصين أن الاتفاقات السياسية، مثل اتفاق بكين التاريخي للمصالحة بين السعودية وإيران، تحتاج إلى حماية ثقافية ودينية لضمان استدامتها وعزل التحريض المذهبي.
وفي هذا السياق، تنظر بكين إلى مبادرة شيخ الأزهر لتشكيل لجنة وساطة عربية وإسلامية لتسوية الخلاف باعتبارها آلية شرعية مهمة لتوفير إطار روحي يحول دون استغلال العقيدة الدينية لأغراض سياسية.
2. تفكيك الاستقطاب المذهبي
تتبنى بكين رؤية تعتبر الصراع بين المحورين السني والشيعي صراعاً على النفوذ الإقليمي يجري إظهاره في صورة صراع مذهبي.
ويدعم المنظور الصيني الموقف الفكري للأزهر، الذي يؤكد باستمرار الأخوة الإسلامية وحرمة الدماء، وينظر إلى الاختلافات العقائدية بين السنة والشيعة بوصفها خلافات فكرية لا تبرر القتال أو التحريض السياسي.
خامساً: ركائز الرؤية الصينية لحماية الاستقرار الإقليمي
تقوم الآلية الصينية، المدعومة بروح مبادرة الأزهر، على مجموعة من الأبعاد والمسارات التي تستهدف احتواء الفتن والخلافات المذهبية والعقائدية والتحريض في الشرق الأوسط، وذلك من خلال:
1. التأكيد الصيني على فصل الدين عن الجغرافيا السياسية
تشدد الآلية الصينية، المدعومة بروح مبادرة الأزهر، على ضرورة فصل الدين عن الجغرافيا السياسية، من خلال التأكيد أن العقيدة الدينية لا ينبغي أن تتحول إلى ولاء سياسي عابر للحدود، كما في حالة الحوثيين في اليمن، بل يجب احترام سيادة الدول الوطنية.
2. اعتماد التنمية بديلاً عن التحريض
ترى الصين أن الفقر والبطالة والتهميش في مناطق النزاع تشكل بيئة خصبة للتحريض المذهبي، وأن الحل يكمن في ربط مبادرة الحزام والطريق بمشروعات إعادة الإعمار والتنمية، بما يسهم في إضعاف الخطاب القائم على السلاح.
3. الدعوة إلى حوار متعدد الأطراف بين المحورين السني والشيعي، بتيسير من الوساطة الروحية للأزهر
يتحقق ذلك من خلال الدعوة الصينية إلى الانتقال من إدارة الأزمات العسكرية إلى تعزيز حوارات مستدامة تجمع بين الدبلوماسية الرسمية والوساطة الفكرية، مثل وساطة الأزهر، بهدف تقليص فجوة الثقة بين دول الخليج وإيران.
وقد لخّصت الباحثة المصرية هذه المحاور في الجدول الآتي:

سادساً: موقف الصين من المحور الحوثي–الإيراني والمحور السعودي–الخليجي
تتحرك بكين في مساحة شديدة الحساسية للحفاظ على شبكة علاقاتها وشراكاتها مع المحور السعودي–الخليجي السني والمحور الإيراني الشيعي في الشرق الأوسط، وذلك عبر مسارين:
1. السياسة الصينية تجاه المحور الإيراني–الحوثي
تمارس الصين ضغوطاً على طهران لخفض التوتر مع حلفائها، ولا سيما الحوثيين في اليمن، وتحثهم على التفاعل الإيجابي مع مبادرات السلام الصينية وإنهاء سفك الدماء. وتنطلق هذه المقاربة من اعتبار أن توظيف المذهبية يهدد الممرات البحرية الدولية والمصالح الصينية في مجال الطاقة.
2. السياسة الصينية تجاه المحور السعودي–الخليجي
تلتزم بكين بتوفير ضمانات أمنية واقتصادية لشراكتها مع دول الخليج، وتدعم جهود السعودية لإنهاء الحرب في اليمن عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية، بما يخدم رؤيتها التنموية، وفي مقدمتها «رؤية السعودية 2030».
خاتمة
استناداً إلى التحليل الاستراتيجي السابق، تنظر بكين إلى مصر، والأزهر على وجه الخصوص، باعتبارهما مصدراً للقوة الناعمة ومرجعية إسلامية معتدلة قادرة على مد الجسور بين السنة والشيعة، وتقليص الانقسام المذهبي العميق في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج.
وترى الصين أن الجمع بين اتفاق سياسي برعاية بكين، وتوافق فكري وروحي وديني، ووساطة إنسانية يرعاها الأزهر، يمثل صيغة ملائمة لإنهاء التوظيف السياسي للدين وإرساء سلام دائم واستقرار استراتيجي في الشرق الأوسط.
المعهد العراقي للحوار الراعي اللوجستي لمعرض بغداد الدولي للكتاب يفتتح جناحه الخاص في المعرض
Official agreement between Iraqi Institute for Dialogue and the Iraqi Media Network to sponsor The Seventh Annual International Conference of “Baghdad Dialogue” 2025
المعهد العراقي للحوار يصدر "الحقيبة الدبلوماسية" للدكتور كرار البديري
دعوة استكتاب في العدد (79) من مجلة "حوار الفكر"
رئيس الوزراء: طريق التنمية سيجعل العراق قوة اقليمية سياسة واقتصادية
كلمة مدير المعهد العراقي للحوار في مؤتمر حوار بغداد الدولي السادس
استكتاب خاص بمؤتمر حوار بغداد الدولي السابع لكتابة أوراق بحثية
Comments