بقلم: سانا خان - باحثة متخصصة في الأمن العالمي والسياسة الخارجية وصراعات النفوذ
الوصيّ لا الوسيط: إعادة صياغة هادئة للسياسة الأوروبية تجاه الشرق الأوسط
عندما أُلغيت القمة الثانية بين الاتحاد الأوروبي ومجلس التعاون الخليجي، قبل تسعة أيام من موعد انعقادها المقرر في الرياض يوم 24 أكتوبر/تشرين الأول، اكتفت بروكسل ببيان مقتضب قالت فيه إن موعداً جديداً سيُعلن عنه «في الوقت المناسب». ولم يكن من الصعب تحديد السبب المباشر لذلك.
فقد تصاعدت هجمات الحوثيين على الأراضي السعودية، وكان الدخان لا يزال يتصاعد من مصفاة تابعة لشركة أرامكو جنوب العاصمة في وقت سابق من الشهر. ومع ذلك، فإن تأجيل القمة يعكس أمراً أكبر من مجرد مخاوف أمنية طارئة. فمنذ اندلاع حرب الخليج في فبراير/شباط، تعمل أوروبا على إعادة بناء سياستها تجاه الشرق الأوسط حول مهمة تنظيمية واحدة، تتمثل في ضمان استمرار تدفق الطاقة. وكان من المفترض أن تؤسس قمة الرياض لهذا التحول بصورة رسمية. ويشكّل تأجيلها فرصة مناسبة للتساؤل عما تتخلى عنه أوروبا في مقابل ذلك.
من الوسيط إلى المتفرج
أصبحت الخسارة الدبلوماسية الأوروبية موثقة إلى حد كبير. فقد استُنفد دور أوروبا بوصفها وسيطاً لا غنى عنه في الملف الإيراني قبل اندلاع الحرب، عندما فعّلت دول الترويكا الأوروبية (E3) آلية إعادة فرض العقوبات «سناب باك» في سبتمبر/أيلول 2025، وانتقلت من موقع الضامن للاتفاق إلى طرف في حملة للضغط على إيران.
وتأكد هذا التحول عندما جرى التوصل إلى مذكرة التفاهم الأميركية الإيرانية التي أوقفت القتال بوساطة لم يكن لأوروبا أي دور فيها. وكانت طهران قد أشارت إلى هذا التحول قبل ذلك بأشهر؛ ففي فبراير/شباط، قلّل وزير الخارجية الإيراني من أهمية دور الترويكا الأوروبية، واعتبرها طرفاً هامشياً، مشيداً بالدور الذي أدته دول الخليج في إنجاز الجهود الدبلوماسية. ثم جاء إدراج الاتحاد الأوروبي الحرس الثوري الإيراني على قائمة المنظمات الإرهابية في يناير/كانون الثاني 2026 ليغلق معظم القنوات التي بقيت مفتوحة.
لكن ما حظي باهتمام أقل بكثير هو الدور الذي وضعته أوروبا في المساحة التي أخلتها. فهذه المساحة لم تبقَ فارغة، بل شغلتها أوروبا بدور مختلف، وهو دور انزلقت إليه تدريجياً بدلاً من أن تختاره بصورة متعمدة: دور الوصي على إمدادات الطاقة.
أدوات الوصي
تراكمت ملامح هذا الدور بهدوء. ففي أبريل/نيسان، عرضت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين المساعدة في إصلاح البنية التحتية للطاقة في الخليج، التي تضررت جراء الحرب، والمشاركة في تمويل طرق التصدير التي تتجاوز مضيق هرمز، مشيرة إلى الممر الاقتصادي بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا بوصفه نموذجاً يمكن الاستفادة منه.
وعلى الصعيد البحري، كان مجلس الاتحاد الأوروبي قد مدّد بالفعل عملية «أسبيدس» حتى فبراير/شباط 2027، كما ناقش وزراء الخارجية لاحقاً توسيع نطاق مهمتها من البحر الأحمر إلى مضيق هرمز، بالتوازي مع تحالف تقوده فرنسا وبريطانيا، كانت باريس قد وضعت مجموعة حاملة الطائرات «شارل ديغول» في مواقع متقدمة دعماً له.
أما على مستوى الأسواق، فقد اتفقت مجموعة السبع، خلال رئاسة فرنسا لها، في أوائل أكتوبر/تشرين الأول، على إطلاق 100 مليون برميل من النفط على مدى أربعة أشهر، مع إعطاء الأولوية في الدفعات الأولى للديزل، في حين أعادت روما إحياء مقترحها بشأن إقامة حوار منظم بين مجموعة السبع ودول الخليج.
ولعل المؤشر الأكثر دلالة على هذا التحول يتمثل في البيان المشترك الصادر في 16 أكتوبر/تشرين الأول عن رؤساء البرلمانات الأوروبية والخليجية، الذي شجع على تعزيز التنسيق بين العمليات البحرية التابعة للاتحاد الأوروبي والتحالف متعدد الجنسيات للدفاع البحري، بقيادة السعودية.
إن المنطق الذي يستند إليه كل ذلك يبدو سليماً وفق حساباته الخاصة. فالديزل يمثل أكثر من 40 في المئة من استهلاك الاتحاد الأوروبي للمنتجات النفطية، وخلال النصف الأول من عام 2026، وفّر منتجو الخليج نحو 40 في المئة من واردات الاتحاد من الديزل من خارج دوله الأعضاء، وكانت السعودية وحدها مسؤولة عن توفير أكثر من ثلث هذه الكمية.
ثم حظرت روسيا صادرات الديزل في يوليو/تموز، عقب هجمات بطائرات مسيّرة أوكرانية استهدفت مصافيها. وبذلك، أصبح كل مورد رئيسي تقريباً للمنتجات النفطية متوسطة التقطير إلى أوروبا إما متورطاً في الصراع الدائر في الخليج أو خاضعاً للعقوبات. وبالنسبة إلى قارة تحاول تمويل إعادة التسلح في ظل صدمة تضخمية، فإن حماية تدفقات الطاقة الخليجية تبدو أقل شبهاً بخيار سياسي وأكثر شبهاً بضرورة ملحّة.
لكن الضرورة ليست استراتيجية، ودور الوصي يترتب عليه ثمن لم تحدد أوروبا قيمته بعد.
الوصاية ليست موقفاً محايداً
تتمثل الكلفة الأولى في أن تولّي دور الوصي يغلق الباب أمام دور الوسيط الذي لا تزال أوروبا تقول إنها ترغب في استعادته.
فإيران لا تعرقل حركة الملاحة البحرية بصورة عرضية؛ إذ تهدف حملتها إلى خنق تعافي صادرات النفط الخام من الخليج، وشهد شهر أكتوبر/تشرين الأول تسجيل أعلى عدد من الهجمات على السفن منذ اندلاع الحرب.
وفي خضم هذه المواجهة، فإن مرافقة ناقلات النفط والتنسيق مع تحالف تقوده السعودية، في وقت تخوض فيه المملكة حرباً ضد الحوثيين، لا يمكن اعتباره عملاً محايداً لحماية الملاحة. بل إنه يضع أوروبا، من الناحية العملياتية، في أحد طرفي المواجهة الإقليمية.
وقد يكون هذا الموقف قابلاً للدفاع عنه، لكن ما لا يمكن الدفاع عنه هو تقديمه على أنه يتوافق مع إمكانية العودة إلى دور الوسيط النزيه، لأن طهران لن تنظر إليه بهذه الطريقة.
وتزداد أهمية ذلك بالنظر إلى طبيعة المساومة الإيرانية في المرحلة الحالية. فمنذ اندلاع الحرب، باتت طهران تتعامل مع الملف النووي ومضيق هرمز والردع الإقليمي ومصير حلفائها بوصفها حزمة استراتيجية واحدة.
وفي إطار هذه الرؤية، لا تُعد السفن الحربية الأوروبية الموجودة في المضيق مسألة بحرية منفصلة، بل تصبح جزءاً من أوراق الضغط التي تفاوض إيران بشأنها. وبالتالي، فإن كل توسع في دور الوصي يضيّق المجال أمام أوروبا للعودة لاحقاً بوصفها طرفاً محاوراً في الملف النووي، وهو الملف الذي تأسست عليه هويتها الدبلوماسية.
الاعتماد يسير في اتجاه واحد
تتمثل الكلفة الثانية في اختلال التوازن. فالعواصم الخليجية تتبنى سياسة متعمدة تقوم على تعدد الشراكات والاصطفافات، وقد أشار محللون إلى أنها تسعى إلى تنويع شراكاتها الأمنية بدلاً من استبدال شريك بآخر.
أما أوروبا، فقد أصبحت تحتاج إلى الخليج في ثلاثة ملفات في آن واحد: إمدادات النفط، والوساطة في ملفات إيران وغزة، والاستثمارات.
في المقابل، تحتاج دول الخليج إلى أوروبا في عدد أقل من الملفات. وكانت بريطانيا قد أبرمت بالفعل أول اتفاقية تجارة حرة بين مجموعة السبع ومجلس التعاون الخليجي، الأمر الذي ترك بروكسل في موقع تفاوضي متأخر.
إن الشراكة التي يوفّر فيها أحد الطرفين الطاقة، ويستضيف الوسطاء، ويحدد مكان انعقاد الاجتماعات، بينما لا يقدم الطرف الآخر سوى عدد محدود من الفرقاطات، ليست شراكة متكافئة. ومن المرجح بصورة متزايدة أن تُحدَّد شروطها في الرياض والدوحة وأبوظبي.
وتزيد الوساطة من حدة هذا الاختلال. فعندما أعلنت إسلام آباد عن مذكرة التفاهم في يونيو/حزيران، أشاد رئيس الوزراء الباكستاني بمساهمات قطر والسعودية وتركيا ومصر. ولم تتضمن القائمة أي عاصمة أوروبية.
وهكذا، أصبحت أوروبا معتمدة على الوسطاء الإقليميين، فضلاً عن اعتمادها على المنتجين، إذ باتت تحتاج إلى الدبلوماسية الخليجية وغيرها من الجهود الإقليمية لتحقيق الاستقرار الذي تتطلبه أمنياً في مجال الطاقة.
وبوسع الطرف الذي يعتمد على الآخرين ممارسة الضغط والمطالبة، لكنه لا يستطيع تحديد جدول الأعمال.
وصاية بلا قدرات كافية
تتمثل الكلفة الثالثة في المصداقية. فعملية «أسبيدس» تعمل بثلاث وحدات بحرية فقط، مقدمة من 21 دولة مشاركة، في حين استبعدت ألمانيا منذ البداية الانضمام إلى أي توسعة محتملة للمهمة في مضيق هرمز.
إن الوصي الذي لا يستطيع تأمين تدفقات الطاقة التي يتعهد بحمايتها لن يحظى بامتنان المنتجين، ولن يمتلك ثقلاً رادعاً في مواجهة إيران. بل سيكتفي بتحمل المخاطر نيابة عن أطراف أخرى، وهي صفقة غير مجدية لقارة يتنافس جناحها الشرقي بالفعل على السفن نفسها وأنظمة الدفاع الجوي والميزانيات ذاتها.
وهذا التوتر بنيوي وليس مؤقتاً. فجدول أعمال «الجاهزية 2030» الأوروبي يعطي الأولوية للدفاع الجوي ومواجهة الطائرات المسيّرة على الجناح الشرقي للقارة، وهي القدرات المحدودة نفسها التي يتطلبها وجود بحري جاد في الخليج.
فكل فرقاطة أو بطارية دفاع جوي تُرسل جنوباً تعني فقدان قدرة مماثلة في منطقة بحر البلطيق. وحتى الآن، تجنبت العواصم الأوروبية الإعلان صراحة عن هذه المفاضلة.
لكن محدودية الحضور البحري لعملية «أسبيدس» تشير إلى أن الدول الأوروبية حسمت هذا الخيار عملياً لمصلحة الجبهة الشرقية، في الوقت الذي تستمر فيه الخطابات المتعلقة بدور الوصي في تقديم وعود تتجاوز ما تستطيع القدرات العسكرية المتاحة تنفيذه.
تحديد ثمن الصفقة
لا يعني أي مما سبق الدعوة إلى التخلي عن دور الوصي. فالحسابات المتعلقة بالطاقة حقيقية، وأوروبا التي لا تكترث بإمدادات الخليج ستكون قارة معرضة للمخاطر.
لكن الفكرة تتمثل في ضرورة إدراج كلفة الوصاية ضمن شروط الوصول الدبلوماسي، بدلاً من تقديمها باعتبارها خدمة عامة مجانية يستطيع الآخرون التفاوض بشأنها من دون إشراك أوروبا في تحديد شروطها.
تمتلك أوروبا ورقة ضغط لم تستخدمها إلا بصورة محدودة. فقد نص الإطار المؤلف من 14 نقطة، الذي جرى الاتفاق عليه في يونيو/حزيران، على أن أي تسوية نهائية بين الولايات المتحدة وإيران يجب أن تُعتمد من خلال قرار ملزم صادر عن مجلس الأمن الدولي، مع وضع آلية لمراقبة تنفيذها.
وتشغل فرنسا والمملكة المتحدة مقعدين من المقاعد الخمسة الدائمة في المجلس. وأي ترتيب دائم بشأن مضيق هرمز سيمر عبر مجلس الأمن، كما أن الوجود البحري الأوروبي هو تحديداً ما من شأنه أن يجعل آلية المراقبة موثوقة في البحر.
ورغم أن هذا الإطار تعرض للتآكل منذ ذلك الحين، مع تعليق طهران التزاماتها رسمياً، فإن أي صيغة بديلة ستحتاج إلى المصادقة ذاتها.
إن ربط المساهمات البحرية الأوروبية بصورة واضحة بالحصول على موقع في نظام التحقق ومراقبة الملاحة من شأنه تحويل دور الوصي من مركز لتحمل التكاليف إلى ورقة نفوذ. كما سيمنح دول الخليج سبباً لرغبتها في وجود أوروبا داخل غرفة المفاوضات، بدلاً من الاكتفاء بوجودها في المياه.
وينطبق المنطق نفسه على البنية التحتية. فإذا كان الاتحاد الأوروبي مستعداً للمشاركة في تمويل خطوط الأنابيب والممرات التي تنقل الطاقة الخليجية بعيداً عن مضيق هرمز، فعليه أن يسعى إلى امتلاك حصة في إدارتها وحوكمتها، لا أن يكتفي بالحصول على عقد لتوريد الطاقة في نهايتها.
فالجغرافيا المادية تدوم لفترة أطول من الدورات السياسية. وأوروبا التي تساعد على بناء طرق بديلة لتصدير الطاقة في المنطقة، وتحتفظ بدور رسمي في إدارتها، ستكتسب أهمية استراتيجية مستدامة، وهو ما لن تحققه الفرقاطات التي تتناوب على الوجود في الخليج وتغادره.
سيُعاد تحديد موعد قمة الرياض. وعندما تنعقد، سيكون السؤال هو: هل تصل أوروبا بوصفها شريكاً يتفاوض على الشروط، أم بوصفها زبوناً يسعى إلى تأمين الإمدادات؟
إن سياسة الشرق الأوسط التي تتمحور بالكامل حول ضمان استمرار حركة ناقلات النفط ليست سياسة نفوذ، بل سياسة تأمين ضد المخاطر. لقد أمضت أوروبا هذه الحرب في دفع أقساط هذا التأمين، لكنها لم تسأل بعد عمّا تغطيه هذه الوثيقة فعلياً.
المعهد العراقي للحوار الراعي اللوجستي لمعرض بغداد الدولي للكتاب يفتتح جناحه الخاص في المعرض
Official agreement between Iraqi Institute for Dialogue and the Iraqi Media Network to sponsor The Seventh Annual International Conference of “Baghdad Dialogue” 2025
المعهد العراقي للحوار يصدر "الحقيبة الدبلوماسية" للدكتور كرار البديري
دعوة استكتاب في العدد (79) من مجلة "حوار الفكر"
رئيس الوزراء: طريق التنمية سيجعل العراق قوة اقليمية سياسة واقتصادية
كلمة مدير المعهد العراقي للحوار في مؤتمر حوار بغداد الدولي السادس
استكتاب خاص بمؤتمر حوار بغداد الدولي السابع لكتابة أوراق بحثية
Comments