بقلم احمد العابدي
العالم بعد اتفاق غزة: والتحولات الكبرى في السياسة والأمن والاعلام
شهد العالم بعد اتفاق غزة الأخير تحولات غير مسبوقة في المشهدين الإقليمي والدولي فهذه الحرب لم تكن مجرد جولة عسكرية جديدة بين المقاومة الفلسطينية والكيان الصهيوني بل لحظة مفصلية أعادت تشكيل موازين القوة ودفعت العالم إلى مراجعة كثير من مسلّماته السياسية والأمنية والإعلامية.
ما جرى في غزة من قتل ممنهج وجرائم ضد الإنسانية وإبادة جماعية وانتهاك فاضح لكل الأعراف والقوانين الدولية، نقطة انكسار أخلاقية في الوعي العالمي فصور الدمار والمجازر التي طالت المدنيين العزّل والتجويع والحصار والحرمان من أبسط مقومات الحياة أيقظت ضمير العالم وولّدت موجة غضب شعبية عارمة لم يشهدها التاريخ الحديث تجاه الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي.
هذه التحولات أجبرت الدول الكبرى والمنظمات الدولية على إعادة النظر في مواقفها السابقة فقد تراجعت لغة التبرير والازدواجية، وبدأت مواقف أكثر توازناً بالظهور في الخطاب السياسي العالمي. كما أن العديد من الدول الأوروبية اعترفت رسمياً بدولة فلسطين في خطوة تُعد تاريخية من حيث توقيتها ودلالتها إذ تعكس انتقالاً في المزاج السياسي الأوروبي نحو دعم العدالة ورفض التواطؤ مع الانتهاكات الإسرائيلية.
وفي سياق هذه التطورات، برزت حركة حماس بوصفها فاعلاً سياسياً لا يمكن تجاهله، بعد أن تمكنت من إدارة المعركة بذكاء سياسي وإعلامي جعلها تحظى باهتمام غير مسبوق من قِبل الرأي العام العالمي لقد تغيّر توصيفها في الإعلام الدولي من “جماعة معزولة” إلى “طرف سياسي قادر على التفاوض” وهو تحوّل عميق في مسار القضية الفلسطينية.
إقليمياً، تبدو خريطة الشرق الأوسط اليوم في حالة إعادة تشكّل واسعة. فبعد اتفاق غزة، أدركت دول المنطقة أن القضية الفلسطينية ليست عبئاً سياسياً، بل ملفاً استراتيجياً يمس أمنها القومي واستقرارها الداخلي. الدول التي تبنّت مواقف حيادية أو تطبيعية في السنوات الأخيرة بدأت تراجع خياراتها بعدما أدركت أن استمرار العدوان الإسرائيلي بهذا الشكل الوحشي يهدد صورتها ومكانتها أمام شعوبها.
كما أن محوراً إقليمياً جديداً بدأ يتكوّن يضم دولاً عربية وإسلامية ترى أن التوازن في المنطقة لا يمكن أن يتحقق دون تحقيق العدالة للشعب الفلسطيني لم تعد القضية مجرد شعار سياسي بل عنصراً أساسياً في معادلة الأمن الإقليمي.
في المقابل وجدت بعض الحكومات الغربية نفسها أمام ضغط شعبي غير مسبوق فالمظاهرات اليومية في المدن الأوروبية والتي شارك فيها مئات الآلاف من المتظاهرين، تحولت إلى حركة عالمية مناهضة للإبادة الجماعية أجبرت القادة الأوروبيين على تغيير لهجتهم السياسية واتخاذ مواقف أكثر حذراً تجاه أفعال الكيان الصهيوني وحليفه الأمريكي.
إضافة إلى ذلك فقد ظهرت أجيال جديدة من الشباب الأوروبي المناهض للظلم والاستعمار الحديث وهي أجيال تشارك بفعالية في الحملات الرقمية والمبادرات الإنسانية وحتى في أساطيل المساعدات البحرية لكسر الحصار عن غزة ورغم اعتقالهم من قبل السلطات الإسرائيلية إلا أن ذلك زاد من رمزية نضالهم، وأعاد للقضية الفلسطينية بعدها الإنساني والأخلاقي في الضمير العالمي.
هذه التحولات أكدت أن ما يجري لم يعد شأناً محلياً أو نزاعاً محدوداً بل قضية عالمية تتصل بالعدالة والكرامة الإنسانية وأن استمرار الاحتلال بات عبئاً أخلاقياً على النظام الدولي بأسره.
على الصعيد الدولي، برزت الولايات المتحدة الأمريكية كلاعب محوري في هذه التحولات. إلا أن الموقف الأمريكي هذه المرة لم يكن كما في السابق فقد وجدت واشنطن نفسها تحت ضغط عالمي كثيف أجبرها على التعامل مع الدعوات إلى وقف إطلاق النار بجدية غير مسبوقة.
فالإضرابات العمالية الواسعة والمظاهرات في الجامعات وقرارات بعض الدول الأوروبية بوقف تصدير الأسلحة إلى الكيان الصهيوني شكّلت جميعها أول عمل سياسي وأمني مشترك يقيّد حرية واشنطن وتل أبيب ويجبرهما على التراجع تحت وطأة الرفض الشعبي والإنساني
وفي هذا الإطار برز البعد الإعلامي والرقمي بوصفه ميداناً جديداً للحرب فقد كشفت تقارير عدة أن إسرائيل دفعت لمؤثرين على منصات التواصل الاجتماعي مبالغ ضخمة وصلت إلى سبعة آلاف دولار للمنشور الواحد في حملة منظمة لتسويق روايتها الرسمية عن الحرب عبر وجوه شابة مؤثرة.
ورغم هذا الإنفاق الكبير، تكبدت إسرائيل خسارة واضحة في معركة الرأي العام العالمي إذ بات جيل الشباب الأميركي والأوروبي أكثر تعاطفاً مع غزة وأكثر رفضاً لخطاب الكراهية والعنف.
لقد أدركت إسرائيل أن السلاح لم يعد وحده ما يحسم الصراعات وأن المعركة الحقيقية باتت تُخاض في فضاء المنصات الرقمية. حتى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أقرّ بذلك حين قال لمجموعة من المؤثرين الأميركيين إن “تيك توك أصبح السلاح الحقيقي في معركة الرأي العام”.
أما حركة حماس فقد نجحت في تحويل معركتها الإعلامية إلى أداة سياسية فعّالة إذ تعاملت مع الإعلام بخطاب منضبط وواقعي يركز على القانون الدولي وحقوق الإنسان، مما منحها شرعية معنوية واسعة وجعلها طرفاً سياسياً يُحسب له حساب.
وتؤكد التطورات الأخيرة أن القوة اليوم لم تعد تقاس بعدد الأسلحة بل بقدرة الخطاب على صناعة الوعي وتشكيل الرأي العام.
لقد دخل العالم بعد اتفاق غزة مرحلة جديدة من التحولات عنوانها الأبرز أن العدالة لم تعد مجرد شعار وأن الشعوب – بوعيها واتصالها الرقمي – أصبحت قادرة على فرض موازين جديدة وعلى إجبار القوى الكبرى على مراجعة حساباتها في كل حرب قادمة. "فما بعد غزة، لن يكون كما قبلها، لا في الوعي ولا في السياسة ولا في الإعلام."
المعهد العراقي للحوار الراعي اللوجستي لمعرض بغداد الدولي للكتاب يفتتح جناحه الخاص في المعرض
المعهد العراقي للحوار يصدر "الحقيبة الدبلوماسية" للدكتور كرار البديري
Official agreement between Iraqi Institute for Dialogue and the Iraqi Media Network to sponsor The Seventh Annual International Conference of “Baghdad Dialogue” 2025
دعوة استكتاب في العدد (79) من مجلة "حوار الفكر"
رئيس الوزراء: طريق التنمية سيجعل العراق قوة اقليمية سياسة واقتصادية
استكتاب خاص بمؤتمر حوار بغداد الدولي السابع لكتابة أوراق بحثية
إشادات بحوار بغداد الدولي: تعزيز دور العراق المحوري ونقطة التقاء للرؤى
Comments