مجلة حوار الفكر تحاول سرمد الطائي رئيس تحرير صحيفة العالم
أجرت مجلة حوار الفكر في عددها الخامس عشر الصادر في 15 كانون الأول 2010 حواراً مع سرمد الطائي رئيس تحرير صحيفة العالم.
وفيما يلي نص الحوار
حوار الفكر: في الانتخابات الاخيرة كنا نتساءل: هل بإمكان المراقبين ان يفهموا المقولات الثقافية للاحزاب العريقة عبر شعارها الانتخابي المكتوب بالالوان في ملايين الملصقات من الموصل الى البصرة؟
سرمد الطائي: اكتشفنا ان الجميع يتبنى مقولات متشابهة من الحرية الى التعددية ويتحدث عن اقتصاد مزدهر وخدمات، وأن الجميع تقريبا يتحاشى التعبير عن اي مقولة تاريخية عرف بها تقليديا. كان العام 2003 تحديا بالغ الحراجة بالنسبة للاحزاب العراقية دون استثناء تقريبا. ولو استثنينا حزب البعث الذي بقي منه مسمى تنظيمي يهيمن على السلطة ليفقدها تدريجيا خلال لحظة توقف عندها العالم طويلا، فإن الاحزاب الاخرى والتيارات الفكرية التي انبثقت عنها منذ عقود،
مثلت امام اختبار عسير وكانت مطالبة بالاجابة على مجموعة اسئلة لم تكن مستعدة لمواجهتها بشكل كاف.احزاب العراق كنظيراتها في المنطقة، منبثقة من يسار تاريخي، او اصولية مطلع القرن الماضي الدينية، او ضرتها القومية. وكل هذه التيارات لم تواكب الاسئلة الكبيرة التي طرحها اليسار العالمي او الفكر الديني او التوجه القومي، في مرحلة ما بعد الحرب الباردة. كان ربع القرن الماضي عهد المراجعات السياسية الكبيرة التي تغيرت معها الكتلة الشرقية وظهرت فيها الاصلاحية الدينية في المشهد الايراني والتركي والماليزي، وراحت فيها القومية حتى في مصر وشمال افريقيا، تعبر عن نفسها بليبرالية سياسية غير مترددة. لكن الاحزاب العراقية كانت تعيش لحظة انتظار لا تسمح بأي مراجعة، بقدر ما تتطلب خوض معركة بقاء ليس فيها "ترف" يكفي لطرح سؤال او خوض سجال عميق. كان العالم خلال ربع القرن الماضي، يراجع مقولاته ضمن شتى التيارات.
بينما كانت احزابنا منفية تكافح كي تبقى، بأمل حلول لحظة تغيير سياسي تعيدها الى الواجهة في العراق. وحين حلت تلك الساعة لم يكن اي حزب لدينا يعرف ما ينبغي قوله على وجه التحديد. ولا يزال هناك وعي نلمحه في الاعم الاغلب.
يشجعنا على اصدار حكم قاس بحق الطبقة السياسية التي نعرفها، فهي نخبة لا تمتلك شجاعة ان تدافع عن منظورها الثقافي العتيق، كما لم تبذل جهدا في السجال والنظر، يؤهلها لمواكبة تحولات المصلحة السياسية والاجتماعية لاحقا. والاستثناءات موجودة دائما لكنها حالات خاصة وفردية معزولة ظل اصحابها طيلة السنوات الماضية شبه صامتين، او يتحدثون بصوت خافت.
حوار الفكر: ادبيات الاحزاب العراقية المعارضة في التسعينات، كانت أمام سؤال واحد تقريباً: هل ستنجح فرق التفتيش الدولية في تفتيت نظام صدام أم لا؟
سرمد الطائي: لقد انشغلت برالف ايكيوس وقانون تحرير العراق، اكثر مما تأملت في أسئلة تتعلق بصيغة الثقافة السياسية المتحولة التي ستكون مناسبة لاعتماد لغة ومواقف وتفسيرات، تؤهل لرسم مرحلة انتقالية مدروسة. كانت احزابنا تتحدث عن تحديات المرحلة الانتقالية دون ان تستطيع تخيل ما ستكون عليه الحال في بلد كشف عنه الجيش الاميركي غطاء الدولة الشمولية الستينية، وقذفه بلا رحمة في نظام دولي يعولم العنف والاقتصاد والمعلومات، على طريقة الصدمة الثقافية التي لم نخرج منها بعد. يمكن القول ان الاحزاب العريقة التي انشغلت حتى السبعينات، بمناقشة مقولات معقدة وتصورات نظرية لإدارة الدولة وتنظيم المجتمع وبناء الافكار، اخذت اجازة ثقافية طويلة طيلة الثمانينات والتسعينات، وانشغلت بتلبية غريزة "البقاء بأي ثمن" في المنافي القاسية. توقفت عن طرح اي اسئلة جادة وجاءت الى العراق دون اجابات، بل وخسرت بسبب نقص التمويل والخلافات الشخصية العميقة واجواء اليأس خارج البلاد، عددا من العقول والخبرات النظرية المهمة التي لم يستطع اي حزب نعرفه ان يحافظ عليها كي يستعين بها وقت الحاجة.
الزعماء الحاليون كنا نتحدث اليهم لحظة انهيار صدام حسين، ونسألهم عن الاساس الفكري والثقافي الذي سيطرحونه للجمهور كبديل عن النموذج القاتم لعراق التسعينات، لكنهم كانوا يرددون علينا لغة الستينات الباهتة التي لم يعد يتذكرها احد. واجهوا اسئلة مختلفة فأجابوا عنها بطريقة تقليدية لم تتزحزح بعد. الشيوعي والاسلامي والقومي كانوا خصوما تاريخيين للتدخل الدولي والتعامل مع واشنطن. فجأة وجدوا ان العالم المعاصر يعني اميركا التي لا مناص من التعامل معها. الثلاثة لم يكونوا يؤمنون باقتصاد مفتوح ولا تعددية سياسية تقبل الآخر بصيغة عملية لا تضمر اقصاء. لكنهم وجدوا انفسهم امام واقع تعددي لا غالب فيه، لأن من اسقط النظام السياسي السابق هو قوة عسكرية واقتصادية انطلقت من قلب الغرب الليبرالي وصارت تفرض شروطها. الاحزاب العراقية باتت في لحظة سقوط صدام حسين، تمتلك منظومة ثقافية وسياسية غير صالحة للاستخدام. كما انها لم تكن تلك اللحظة تمتلك الوقت الكافي لادخال تعديلات عميقة ومنطقية يمكن عبرها اقناع الجمهور والنخب، بوجود مراجعة سليمة تفسر التحول في التوازنات، وانتقال الحزب من متعامل مع مصلحة مشوهة ومؤقتة في المنفى، الى التعامل مع مقاييس مصلحة مختلفة داخل مشروع دولة معقدة وثرية باتت محور صراع دولي واقليمي مثل العراق.
التطورات اللاحقة ودوار العنف المسلح الذي يصيب الجميع حتى هذه اللحظة، لم يترك اي فرصة لمناقشة ما ينبغي او ما لا ينبغي اضافته او حذفه، لتكييف المقولات الثقافية والسياسية لتلك الاحزاب. صرنا نواجه اسلاميين حائرين في مقولة الدولة الدينية التي تمسكوا بها عقودا، وسط انتخابات ترعاها الامم المتحدة.
هل يقدمون لجمهورهم وعدا بدولة دينية، ام ماذا؟ هل سيقبلون بالموسيقى والنظام الاجتماعي العلماني الموجود، ام يقومون بإلغاء هذه المظاهر كي يواجهوا تهمة التشدد على مستوى دولي؟ كان هناك ايضا يساريون وقوميون لا يعرفون كيف يواجهون مدا دينيا لا يخفيه الجمهور، فالتبست المواقف والشعارات وصارت التحولات اشبه بجدل سطحي يتغير بالساعات والدقائق وفق تصريحات اعلامية يطلقها فريق ضد آخر، وحقائق ميدانية يفرزها عنف طائفة بحق اخرى. دخل اليسار واليمين معركة الانتخابات وفق وصفة الغرب المتقدم، دون ان يمر بلحظة سجال ضرورية تمهد لتحول سليم وسلس.
بعضهم قال انه في "هدنة" مع الافكار الوافدة التي جرى اجباره على التعامل معها. وآخرون حاولوا تأويل مقولاتهم التاريخية المناوئة لمفهوم الدولة العصرية، وراح يقبل على عجالة بشكل ليبرالي محاولا اقحامه في هيكل تقليدي. تصالح بعضهم مع قيم القبائل، ووجد آخرون انفسهم منشغلين بغنائم من نوع مختلف، تسمح بتخطي التابو تلو التابو، دون توفر وقت للاجابة على اي سؤال جاد. طبعا هناك تحول في القناعات السياسية لمعظم الاحزاب، لكنه هش وغير مؤسس بشكل نظري يتيح الدفاع عنه وطرحه بصراحة. تحول صنعته متطلبات الواقع العملي القاسي وشروط التعايش والتخاصم، لا الاسئلة الهادئة العميقة. لا نلمح سؤالا يطرحه حزب على نفسه، بقدر ما نرى في بعض الاحيان، استعدادا لتبني اي فكرة يمكن ان تحقق المكسب السياسي هذه اللحظة، على طريقة "افكار تستعمل مرة واحدة" او مليون مرة، حسب الحاجة. يمكن على سبيل المثال ان نسمع من اصلاحيي ايران ألف تأويل وتفسير لتصوراتهم حول الدولة. لقد اقتبسوا خطاب الاصلاحية الذي ظهر قبل عشرين عاما شرق اوروبا وانفقوا وقتا طويلا على تكييفه، وأسسوا مقولات فكرية باتت شائعة وحتى شعبية، تبرر كل تحولاتهم من اسلاميين متشددين الى مبشرين بنموذج عصري صالح للتسويق. لقد اجبروا التيار المحافظ الموالي للقوى التقليدية في ايران، على خوض سجال نظري ايضا، جعل ايران امام اسئلة كبيرة واجابات عديدة. اما ما حصل مع اسلاميينا مثلا، فأمر مختلف. ليس لدى معظم النخبة التي تمارس السلطة اليوم، اجابات واضحة حول مستقبل الحريات والاقتصاد والتعددية السياسية في البلاد. هناك قواعد ملتبسة للغاية لا تزال في لحظة تكون شديدة الارباك، تتحكم بها عوامل سياسية غير مستقرة. لذلك فإن النخب هذه لم تنجح في بلورة مقولات تعايش سياسي في بلد متعدد قوميا ودينيا، ولم تنجح في ان تعيش لحظة صراحة ووضوح مع جمهورها وخصومها ايضا، للحديث عن المصير.
احيانا يخيل اليك ان النخب السياسية في البلاد، عالقة في فصل الوصاية الدولية حالها حال العراق وملفاته المؤجلة. الجدل الذي يخوضونه لم يجدد منظومته الاصطلاحية ولم يحاول ان يقتبس بوضوح، تجربة من هنا، او منظورا من هناك، ليقوم بتطويره والتبشير به كبرنامج سياسي محدد. الشعارات المتشابهة والصراع على غنائم مالية وامتيازات كبيرة، بات الشغل الشاغل لساسة العراق. لم يعد هناك وقت لتعديل الثقافة السياسية السابقة. كما لم يتح وقت كاف لبلورة ثقافة سياسية بديلة. لسنا امام نموذج اسلامي او قومي جرى تعديله، ولا نسق ليبرالي جرى اعتماده. كل الاشياء متروكة للوقت وعالقة، ولا شيء يوحد اصطلاحات الساسة حتى حين يتفاوضون. الحوار العسير بين الاطراف السياسية، وقدرتهم على تبديل مواقفهم بشكل سريع في قضايا لها صلة بمصير الثروة والسلطة والسيادة، تكشف ارتباكا تاريخيا تعيشه مقولاتهم الثقافية كأحزاب بعضها يعمل منذ ستين عاما. الاسئلة التي كانت تطرحها النخب السياسية في الحرب الباردة، لم تحفل بها احزابنا العراقية بشكل لائق. والاجابات التي يتحرك العالم المعاصر في ضوئها، لم تتوفر كمادة جدل منظم بين نخبتنا السياسية. ولذلك فإن الجمهور يصعب عليه فهم الزعماء، كما ان الزعماء غالبا ما يفشلون في الحوار مع انفسهم ومع شركائهم. بل ان هذه النخبة فشلت في تعريف نفسها للعالم حتى هذه اللحظة، لأنها لا تمتلك تعريفا مدروسا لمقولاتها، او تفسيرا جرى تصميمه بعناية، لتحولاتها السياسية المتسارعة. التخوف من طرح الاسئلة الكبيرة، ومهما كانت مبرراته، يعني ان المستقبل السياسي لبلد مثل العراق لن يحسم حتى اشعار آخر. والعالم الذي يريد ان يأتي نحو بلد كهذا لينهي عزلته، مصاب بالتردد بسبب حالة الشك والريبة والغموض هذه. الجمهور ايضا غير محسوم، بل هو حائر في تخيل مسارات البوصلة السياسية. كل شيء يبدو مؤجلا. وفي لحظات التأجيل يبدو الجميع متشابهين، لأنهم يشتركون في حقيقة واحدة، هي العلوق والانتظار. وهؤلاء المتشابهون يختلفون حول كل شيء، في الوقت ذاته، لأنهم لم يحسموا امرهم حيال اي شيء. محنة احزابنا انها لم تنخرط في الجدل السياسي المعاصر على نحو كاف. ولذلك فإنها لا تمتلك لغة حوار مع الانا، ولا منطق تفاوض مع الآخر. انها كما العراق، مشاريع سياسية مؤجلة مفتوحة على سيناريوهات الانشقاق والتبعثر، اكثر مما هي قريبة من لحظات مصيرية تكون صالحة لإبرام صفقات الاستقرار الكبرى.
المعهد العراقي للحوار الراعي اللوجستي لمعرض بغداد الدولي للكتاب يفتتح جناحه الخاص في المعرض
المعهد العراقي للحوار يصدر "الحقيبة الدبلوماسية" للدكتور كرار البديري
Official agreement between Iraqi Institute for Dialogue and the Iraqi Media Network to sponsor The Seventh Annual International Conference of “Baghdad Dialogue” 2025
دعوة استكتاب في العدد (79) من مجلة "حوار الفكر"
رئيس الوزراء: طريق التنمية سيجعل العراق قوة اقليمية سياسة واقتصادية
استكتاب خاص بمؤتمر حوار بغداد الدولي السابع لكتابة أوراق بحثية
إشادات بحوار بغداد الدولي: تعزيز دور العراق المحوري ونقطة التقاء للرؤى
Comments