00:00:00
توقيت بغداد
2026سبتمبر13
الأحد
12 °C
بغداد، 12°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

إعداد: د. حسام عبد العباس الربيعي

حذف الأصفار من الدينار العراقي: بين الأداة الفنية وشرط الإصلاح الهيكلي

1. المقدمة

يشكل الحديث المتجدد عن حذف الأصفار من الدينار العراقي، والذي عاد إلى الواجهة الرسمية خلال عام 2026 عبر تصريحات لأعضاء في اللجنة المالية النيابية ومسؤولين حكوميين، مناسبة لإعادة طرح سؤال جوهري: هل تعد إعادة هيكلة العملة أداة قادرة بذاتها على معالجة اختلالات نقدية متراكمة، أم أنها إجراء شكلي عاجز عن تجاوز أثره الظاهري ما لم يُبن على أساس إصلاحي متين؟

هذه الورقة لا تنطلق من موقف مسبق مؤيد أو رافض، بل تسعى إلى تفكيك الفرضيات المتداولة حول جدوى هذه السياسة، ومقارنتها بتجارب دولية موثقة، وصولاً إلى توصيات عملية قابلة للتطبيق في السياق العراقي الراهن.

تستعرض هذه الورقة جدوى إعادة هيكلة العملة الوطنية عبر حذف الأصفار، في ضوء عودة هذا الملف إلى واجهة النقاش الرسمي في العراق خلال عام 2026. تخلص الورقة، استناداً إلى مراجعة أدبية تجمع نظرية "وهم النقود" ونظرية الإشارة، ومقارنة بين التجربتين التركية (الناجحة) والزيمبابوية (الفاشلة)، إلى أن حذف الأصفار أداة محاسبية وتنظيمية محايدة القيمة: نتائجها رهينة كلياً بمدى اقترانها بإصلاح مالي ونقدي حقيقي يسبقها. 

وتوثّق الورقة - استناداً إلى تقارير صندوق النقد الدولي والبنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية - خطوات إصلاحية حقيقية اتخذتها الحكومة العراقية والبنك المركزي خلال الفترة 2023–2026 (الاستراتيجية الوطنية للشمول المالي، إصلاح المصارف الحكومية، صندوق تنمية العراق)، مع الإشارة الموضوعية إلى الفجوة التي لا تزال قائمة بين هذه الجهود واكتمال المسار الإصلاحي. وتقدم الورقة مجموعة توصيات عملية موجهة لصانع القرار العراقي، تتقدمها ضرورة الفصل الزمني بين الإصلاح الهيكلي وأي إجراء نقدي شكلي، ومأسسة الزخم الإصلاحي القائم، وتفعيل الدور الرقابي والتدقيقي قبل مرحلة الاستبدال لا بعدها.

2. الإطار المفاهيمي: ماهية حذف الأصفار

يُقصد بحذف الأصفار (Currency Redenomination) استبدال العملة القائمة بعملة جديدة بمعامل تحويل ثابت (كأن يعادل دينار جديد ألف دينار قديم)، دون أن يمس ذلك القيمة الشرائية الحقيقية للعملة. الهدف المعلن عادة هو تبسيط التعاملات المحاسبية والنقدية، لا معالجة التضخم بذاته، وهو تمييز جوهري كثيراً ما يُغفل في النقاش العام.

3. مراجعة الأدبيات

يتوزع الحقل البحثي المتعلق بإعادة هيكلة العملة على ثلاثة مسارات نظرية متكاملة: مسار سلوكي- نفسي يفسر استجابة الأفراد للتغيير الرقمي، ومسار اقتصادي كلي يربط الأداة بمصداقية السياسة النقدية، ومسار مقارن يبني استنتاجاته من دراسات حالة متعددة. تستعرض هذه الورقة الثلاثة تباعاً.

3.1 نظرية "وهم النقود" (Money Illusion Theory)

يشكل مفهوم وهم النقود الإطار النظري الأكثر توظيفاً في أدبيات إعادة هيكلة العملة. مفاده أن الأفراد يميلون إلى الحكم على القيمة استناداً إلى الرقم الاسمي المعروض لا إلى القيمة الحقيقية، ما يقودهم أحياناً إلى قرارات استهلاكية وادخارية غير عقلانية بالمعنى الاقتصادي الصرف (Soman, Wertenbroch & Chattopadhyay, 2002). ولاحظ الباحثون أن الأدبيات الاقتصادية التقليدية ركزت على الأثر الكلي لهذا الوهم دون تفسير كافٍ لآليته النفسية الدقيقة (Soman et al., 2002؛ Fehr & Tyran, 2001)

في سياق تطبيقي مباشر، وثّقت دراسة نوعية أُجريت في غانا بعد إعادة هيكلة عملتها كيف أن تغيير العملة أثّر في إدراك المستهلكين لقيمة ثرواتهم، وفي تبنيهم زيادات الأسعار كأمر عادي، وفي أنماط إنفاقهم وسلوكهم الادخاري، رغم عدم تغيّر القيمة الحقيقية لمدخراتهم (Dzokoto et al., 2010) . كمت أظهرت دراسات لاحقة في إندونيسيا أن إعادة الهيكلة، وإن كانت قادرة نظرياً على تعزيز صورة العملة والكشف عن الأوضاع الاقتصادية الحقيقية، فإنها تحمل في المقابل احتمال إثارة موجات ذعر شرائي أو ضغوط تضخمية إن لم تقترن بحملة توعية مجتمعية كافية (Prabawani, 2017؛ Prabawani et al., 2018). 

هذا المسار النظري يحمل دلالة مباشرة للسياق العراقي: فالمخاطر التسعيرية والسلوكية المشار إليها في القسم السادس (6) من هذه الورقة ليست افتراضات إدارية عامة، بل ظاهرة موثقة أكاديمياً ترتبط مباشرة بآلية "وهم النقود"، وتستدعي تحديداً حملات توعية مجتمعية مصاحبة لا لاحقة لأي إجراء نقدي.

  3.2 نظرية الإشارة ومصداقية السياسة النقدية

في المقابل، تنظر حزمة أخرى من الأدبيات إلى إعادة هيكلة العملة بوصفها إشارة (Signal) يبعثها صانع القرار النقدي للأسواق والجمهور حول التزامه بالانضباط المالي. وقد اقترحت دراسة حديثة تناولت الحالتين الغانية والتركية والزيمبابوية إطاراً تحليلياً يدمج بين نظرية الاقتصاد النقدي والاقتصاد السلوكي ونظرية الإشارة، بما يسمح بتقييم أثر إعادة الهيكلة عبر ثلاث مراحل زمنية متعاقبة: ما قبل التحول، وأثناءه، وما بعده على المديين القصير والبعيد (Impact of Currency Redenomination on Economic..., 2023). 

ووفق هذا الإطار، فإن قيمة "الإشارة" التي تبعثها عملية إعادة الهيكلة تكون إيجابية وذات مصداقية حين تأتي متسقة مع سياسات مالية ونقدية فعلية سابقة عليها (كما في الحالة التركية)، بينما تفقد أي قيمة إشارية حين تتكرر بمعزل عن إصلاح حقيقي، بل قد تتحول إلى مؤشر سلبي يعمّق انعدام الثقة (كما في الحالة الزيمبابوية التي تكرر فيها الإجراء ثلاث مرات خلال أربع سنوات دون جدوى).

  3.3 الأدبيات المقارنة القائمة على دراسات الحالة

إلى جانب المسارين النظريين أعلاه، تراكمت أدبيات واسعة قائمة على دراسات حالة داخلية ، تناولت تجارب متعددة من غانا وإندونيسيا وتركيا وزيمبابوي ونيجيريا وصولاً إلى محاولات تشريعية متكررة في كولومبيا لم تكتمل حتى الآن (سبعة مشاريع قوانين مطروحة منذ مطلع الألفية دون إقرار)، وهو ما يعكس أن التردد المؤسسي حيال هذه السياسة ليس استثناءً عراقياً بل سمة متكررة في اقتصادات نامية عديدة تواجه المعضلة ذاتها (Impact of Currency Redenomination..., 2023).   وفي السياق النيجيري تحديداً، خلصت مراجعة منهجية للأدبيات إلى أن سياسات إعادة هيكلة العملة، حين تُقيَّم من منظور الاقتصاد الكلي، لا تبدو أنها تُحدث بذاتها ضغطاً تضخمياً إضافياً في الاقتصادات المفتوحة، لكن جدواها الفعلية تبقى مشروطة بارتفاع مستوى الانضباط المؤسسي والمالي في الدولة المعنية.

يخلص هذا الخط البحثي إلى نتيجة متسقة تماماً مع ما ورد في القسم الرابع (4) من هذه الورقة: أن متغير "الانضباط المؤسسي المسبق" يتكرر عبر جميع دراسات الحالة الناجحة والفاشلة على حد سواء، بما يرقى إلى مستوى القانون التجريبي الحاكم لهذا الحقل البحثي.

  3.4 خلاصة مراجعة الأدبيات وموقع هذه الورقة منها

تتقاطع المسارات الثلاثة أعلاه حول استنتاج مشترك: أن إعادة هيكلة العملة متغير تابع لا مستقل؛ فهي تُترجم انضباطاً مالياً ومؤسسياً قائماً فعلاً (كما في تركيا)، أو تكشف غيابه (كما في زيمبابوي)، لكنها لا تصنعه بذاتها في أي من الحالتين. وتضيف هذه الورقة إلى هذا الحقل البحثي بُعداً لم يحظَ باهتمام كافٍ في الأدبيات القائمة، وهو الدور الرقابي والتدقيقي الاستباقي خلال المرحلة الانتقالية بوصفه متغيراً وسيطاً يخفف من الآثار السلوكية لوهم النقود الموثقة في القسم 3.1، لا مجرد إجراء إداري تال للقرار.

4.  الدرس المقارن: تجربتان متناقضتان

  4.1 التجربة التركية: الإصلاح أولاً، ثم الأصفار

حين حذفت تركيا ستة أصفار من الليرة في مطلع عام 2005، لم يكن القرار معزولاً عن سياقه؛ فقد سبقته سنوات من برنامج تثبيت اقتصادي وضبط مالي، بدعم من صندوق النقد الدولي، نجح في خفض التضخم إلى خانة الأحاد قبل الشروع في إعادة الهيكلة النقدية (ORF Middle East, 2026). وقد انعكس ذلك في استقرار معدل التضخم السنوي عند نحو 8.2% في عام 2005، مقارنة بمستويات أعلى في الأعوام السابقة، فيما سجّل الاقتصاد نمواً حقيقياً بلغ نحو 9% خلال العام نفسه (Grokipedia, 2026). بعبارة أخرى، لم يكن حذف الأصفار في الحالة التركية سبباً للاستقرار، بل نتيجة له ومؤشراً عليه.

  4.2 التجربة الزيمبابوية: حين تتكرر الأصفار دون إصلاح

في المقابل، تقدم زيمبابوي نموذجاً معاكساً تماماً. فبين عامي 2006 و2009، أعادت الحكومة هيكلة عملتها ثلاث مرات متتالية، عبر حذف عشرات الأصفار في كل مرة، دون أن يقترن ذلك بأي معالجة لعجز التمويل الحكومي الذي كان البنك المركزي يموّله بطباعة النقود (Market Histories, 2026). النتيجة كانت تفاقماً متسارعاً للتضخم، الذي بلغ ذروته في تشرين الثاني / نوفمبر 2008 عند مستويات فلكية قُدّرت بعشرات الملايين من الأضعاف شهرياً، قبل أن تضطر الحكومة في نهاية المطاف إلى التخلي عن عملتها الوطنية بالكامل لصالح عملات أجنبية (Financial Pipeline, 2024). كل عملية حذف أصفار في هذه التجربة أعادت ضبط وحدة القياس فحسب، دون أن تمس جذر الأزمة المتمثل في العجز المالي المموَّل بالإصدار النقدي (Norafi, 2026).

  4.3 الدرس المقارن

يكمن الفارق الحاسم بين الحالتين في توقيت وترتيب الإصلاح: في تركيا جاء حذف الأصفار بعد الإصلاح وتتويجاً له؛ وفي زيمبابوي جاء بديلاً عن الإصلاح وتعويضاً عن غيابه. هذا الفارق هو المتغير الحاسم الذي ينبغي أن يوجّه أي نقاش سياساتي في السياق العراقي.

5. الحالة العراقية: قراءة في المعطيات الراهنة

  5.1 مسار حذف الأصفار: أين وصل الملف؟

يشهد الملف في العراق تطورات متسارعة خلال عام 2026. فقد أكد عضو في اللجنة المالية النيابية أن مشروع حذف الأصفار لا يزال قيد النقاش داخل البنك المركزي العراقي، ولم يرتقِ بعد إلى مستوى مقترح قانوني رسمي معروض على مجلس النواب (The National, 2026). وتشير التقديرات المتداولة إلى أن حجم الكتلة النقدية الإجمالية المتداولة يقارب 113 تريليون دينار، منها نحو 106 تريليون دينار متداولة خارج الجهاز المصرفي، مع دعوات لإعادة نحو 10 تريليونات دينار منها إلى النظام المصرفي الرسمي (Shafaq News, 2026).

من جهته، أكد محافظ البنك المركزي العراقي، في تصريحات سابقة له خلال مؤتمر دهوك للمشكلات الاقتصادية والمالية، أن المشروع لا يزال قيد الدراسة وأن المضي به مرهون بنضوج الظروف الملائمة، مشيراً إلى أن البنك يعمل في موازاة ذلك على تطوير البنية التحتية اللازمة له، وتحديداً توسيع قنوات الدفع الرقمي وربط الرواتب الحكومية بالتطبيقات المصرفية، إضافة إلى تعزيز الإطار القانوني والرقابي ونشر بيانات دورية عن الاحتياطيات ومعدلات التضخم(   Al-Alaq, 2025  ؛ US First Exchange, 2025 ) . هذا التموضع الرسمي يعكس، من الناحية المبدئية، إدراكاً لضرورة تسلسل الإصلاح قبل الإجراء الشكلي — وهو بالضبط المسار الذي أثبتت التجربة التركية جدواه.

في المقابل، عبّر مختصون اقتصاديون عراقيون عن تحفظات جوهرية، محذرين من التعامل مع حذف الأصفار كحل جوهري لمشكلات سيولة وتمويل عام قائمة، في وقت لا تزال فيه الثروات غير المشروعة الكبرى قد انتقلت أصلاً إلى حسابات وأصول خارجية لا يطالها أي إجراء نقدي محلي (Iraqi News, 2026). هذا التحفظ يتقاطع مع الاستنتاج النظري الذي تطرحه هذه الورقة: أن الأداة النقدية لا تستطيع بمفردها أن تحل محل إصلاح مؤسسي وضريبي ورقابي أعمق.

  5.2 الدور الحكومي الإيجابي: محاولات الإصلاح المؤسسي وإنعاش الاقتصاد

استناداً إلى الإطار النظري المعروض في القسم الثالث (3)، فإن قيمة أي إجراء نقدي مستقبلي — بما فيه حذف الأصفار إن قُرِّر لاحقاً — مرهونة بمدى اقترانه بمسار إصلاحي حقيقي سابق عليه. وفي هذا السياق، تشير الأدلة التوثيقية المتاحة من مؤسسات دولية ورقابية مستقلة إلى أن الحكومة العراقية والبنك المركزي قد اتخذا بالفعل خلال السنوات الأخيرة خطوات ملموسة تنسجم مع هذا الشرط، وإن كانت لا تزال دون اكتمال المسار المطلوب.

على صعيد الاستقرار النقدي: نجح البنك المركزي العراقي في السنوات الأخيرة في تثبيت سعر الصرف، وتعزيز ضوابط مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إضافة إلى إطلاق منصة للمدفوعات عبر الحدود — وهي خطوات وصفها تقرير البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية بأنها أساس يُبنى عليه الزخم الإصلاحي الحالي (EBRD, 2025).

على صعيد الشمول المالي: أطلق البنك المركزي العراقي في حزيران/يونيو 2025 الاستراتيجية الوطنية للشمول المالي للفترة 2025–2029، والتي تستهدف توسيع الخدمات المصرفية والمالية الرقمية منخفضة الكلفة وتعزيز التمويل الأصغر (EBRD, 2025). هذه الخطوة تستجيب تحديداً للفجوة التي حددتها هذه الورقة في القسم السادس (6) كأحد أبرز مخاطر أي تحول نقدي مستقبلي.

على صعيد إصلاح القطاع المصرفي: أعلنت السلطات في شباط/فبراير 2025 عن خطة لإصلاح المصارف الحكومية وتحديث القطاع المصرفي الخاص، بالتعاون مع مؤسسات استشارية دولية متخصصة (من بينها KPMG وErnst & Young ومؤسسة التمويل الدولية)، تشمل رفع معايير الشفافية والمواءمة مع المعايير الدولية، وإدخال متطلبات جديدة للسيولة ورأس المال لحماية أموال المودعين EBRD, 2025؛ Rawabet Center, 2025).

على صعيد تنويع مصادر الدخل: أطلقت الحكومة صندوق تنمية العراق في آب/أغسطس 2023، والذي جذب حتى مطلع عام 2025 نحو 7 مليارات دولار من الاستثمار الأجنبي المباشر عبر مذكرات تفاهم دولية(IMF, 2025 ؛ Shull Solutions, 2025) ، إلى جانب مشروع "طريق التنمية" كمحور لوجستي إقليمي يهدف إلى تقليل الاعتماد على العائدات النفطية على المدى المتوسط والبعيد.

على صعيد المؤشرات الاجتماعية: تراجع معدل الفقر الوطني من 20.1% إلى 17.5% بين عامي 2018 و2024، نتيجة توسع الإنفاق على برامج الحماية الاجتماعية (Washington Institute, 2025)، وهو مؤشر ذو دلالة مباشرة على قدرة الدولة على توظيف السياسة المالية في حماية الفئات الأكثر تأثراً بأي تحول اقتصادي مستقبلي، بما في ذلك أي تحول نقدي.

هذه الخطوات مجتمعة تمنح الحكومة العراقية موقعاً أقرب إلى النموذج التركي (إصلاح يسبق الإجراء) منه إلى النموذج الزيمبابوي (إجراء بلا إصلاح)، وهو ما يستحق التسجيل بأمانة علمية.

  5.3 الفجوة المتبقية: قراءة موضوعية غير منحازة

مع ذلك، تحتّم الأمانة العلمية عدم إغفال أن المؤسسات الدولية ذاتها التي وثّقت هذه الجهود لا تزال تسجل تحفظات جوهرية. فقد أشار صندوق النقد الدولي، في تقرير المشاورات السنوية للعراق لعام 2025، إلى أن النمو غير النفطي تراجع من 13.8% عام 2023 إلى نحو 2.5% فقط عام 2024، وأن حصة الإيرادات غير النفطية لا تزال الأدنى بين الدول المصدّرة للنفط في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وباكستان، وأن العجز المالي ارتفع إلى 4.2% من الناتج المحلي الإجمالي في 2024 مع ارتفاع الدين العام إلى ( 47.2% من الناتج IMF, 2025؛EBRD, 2025)  ، كما لاحظ تحليل مؤسسة واشنطن للسياسات أن الزخم الإصلاحي في العراق يميل تاريخياً إلى التراجع كلما تعافت أسعار النفط، في نمط متكرر منذ الورقة البيضاء للإصلاح المالي عام 2020 (Washington Institute, 2025).

هذه الفجوة بين الجهود المبذولة والنتائج المتحققة بعد لا تُفنّد التوجه الإيجابي الذي بدأته الحكومة، لكنها تؤكد أن المسار لا يزال في منتصفه لا في نهايته — وهو بالضبط ما يجعل توقيت أي قرار مستقبلي بحذف الأصفار مسألة حساسة تحتاج إلى مؤشرات إنجاز واضحة قبل المضي فيها، لا مجرد نوايا معلنة.

  6.  المخاطر التشغيلية في مرحلة الانتقال

بصرف النظر عن الموقف من جدوى القرار، فإن أي عملية استبدال عملة تنطوي على مخاطر تشغيلية ملموسة تستحق معالجة استباقية:

مخاطر تسعيرية: ميل بعض الفاعلين الاقتصاديين إلى تقريب الأسعار نحو الأعلى خلال فترة الارتباك المعرفي المصاحبة للتحول، ما يستدعي رقابة سوقية ميدانية وإلكترونية مكثفة خلال هذه المرحلة تحديداً.

مخاطر تقنية ومؤسسية: الحاجة إلى تحديث شامل ومتزامن للأنظمة المصرفية، وأجهزة الصراف الآلي، ومنصات الدفع الإلكتروني، والحسابات الحكومية والشركاتية، وهو ما يتطلب تنسيقاً مؤسسياً واسعاً (Shafaq News, 2026).

مخاطر الثقة: في بيئة تتسم أصلاً بتفضيل التعامل النقدي المباشر، قد يُفسَّر الاستبدال القسري كإجراء يستهدف الادخار غير المصرفي، مما قد يدفع البعض نحو الملاذات البديلة (الذهب، العقار، العملات الأجنبية) بدلاً من التوجه نحو المصارف — ما لم يُسبق الإجراء ببناء ثقة مصرفية فعلية.

  7.  التوصيات

استناداً إلى ما تقدم، تقترح هذه الورقة المسار التالي لصانع القرار العراقي:

1.  الفصل الزمني الصريح بين الإصلاح والإجراء: عدم اعتماد جدول زمني لحذف الأصفار قبل تحقيق مؤشرات قابلة للقياس في ضبط عجز الموازنة والحد من الاعتماد الأحادي على الإيرادات النفطية.

2. تفعيل الرقابة قبل الاستبدال لا بعده: بناء بروتوكولات رقابة تسعيرية ميدانية وإلكترونية جاهزة للتفعيل الفوري عند أي إعلان رسمي، بدل الاكتفاء برد الفعل اللاحق.

3. تسريع الشمول المالي كشرط مسبق: ربط أي جدول زمني للاستبدال بمؤشرات ملموسة في نسبة الودائع المصرفية إلى الكتلة النقدية المتداولة، لا بمجرد صدور القرار الإداري.

4. الشفافية والتواصل المؤسسي المبكر: نشر بيانات دورية موثقة (كما بدأ البنك المركزي فعلاً) حول أي مسار مستقبلي، للحد من حالة الالتباس التي تتيحها التصريحات المتفرقة وغير المنسقة بين الجهات الرسمية المختلفة.

5.إشراك المؤسسات الأكاديمية والاستشارية: تأسيس قناة تشاور دائمة بين البنك المركزي والجامعات ومراكز الأبحاث لتقييم الجاهزية المؤسسية بشكل مستقل قبل أي قرار نهائي.

6. مأسسة الزخم الإصلاحي القائم بدل تركه رهناً بتقلبات النفط: البناء على مكتسبات موثقة بالفعل (الاستراتيجية الوطنية للشمول المالي، إصلاح المصارف الحكومية، صندوق تنمية العراق) عبر ربطها بمؤشرات أداء زمنية محددة وملزمة، بما يكسر النمط التاريخي المتكرر لتراجع الإصلاح كلما تحسنت الإيرادات النفطية.

 8.  الخاتمة

تؤكد المقارنة بين التجربتين التركية والزيمبابوية أن حذف الأصفار ليس، في ذاته، مؤشراً على نجاح أو فشل السياسة النقدية، بل مرآة تعكس ما إذا كان قد سبقه إصلاح مالي حقيقي أم لا. وبالنسبة للعراق، الذي تتقاطع فيه هشاشة الإيرادات مع اتساع الاقتصاد النقدي غير المصرفي، فإن الفرصة الحقيقية لا تكمن في توقيت الإعلان عن حذف الأصفار، بل في التسلسل الذي يسبقه: إصلاح مالي، وشمول مصرفي، وجاهزية رقابية، تجعل من الرقم الجديد تعبيراً صادقاً عن اقتصاد أكثر استقراراً، لا مجرد إعادة ترتيب شكلي لأزمة لم تُحل بعد.

المراجع

 

1. Al-Alaq, A. (2025, October).  Statement at the Duhok Conference on Economic and Financial Problems . Central Bank of Iraq. As cited in US First Exchange (2025).

2. Dzokoto, V., Mensah, E., Boateng, K., & Opoku Asante, K. (2010). Deceiving our minds: A qualitative exploration of the money illusion in post-redenomination Ghana.  Journal of Consumer Policy . https://link.springer.com/article/10.1007/s10603-010-9144-3

3. European Bank for Reconstruction and Development [EBRD]. (2025).  Transition report 2025-26: Country assessment — Iraq . https://www.ebrd.com/content/dam/ebrd_dxp/assets/pdfs/office-of-the-chief-economist/transition-report-archive/transition-report-2025/country-assessments/Southern-&-Eastern-Mediterranean/transition-report-2025-26-CA-Iraq.pdf

4. Fehr, E., & Tyran, J. R. (2001). Does money illusion matter?  American Economic Review , 91(5), 1239–1262.

5. Financial Pipeline. (2024, April 11).  Hyperinflation in Harare . https://www.financialpipeline.com/hyperinflation-in-harare/

6. Grokipedia. (2026, January 17).  Revaluation of the Turkish lira . https://grokipedia.com/page/Revaluation_of_the_Turkish_lira

7. Impact of Currency Redenomination on Economic Growth and Stability. (2023).  Journal of Accounting and Financial Management , 9(10), 114–132. IIARD. https://iiardjournals.org/get/JAFM/VOL.%209%20NO.%2010%202023/THE%20IMPACT%20OF%20CURRENCY%20114-132.pdf

8. International Monetary Fund [IMF]. (2025, July).  Iraq: 2025 Article IV consultation — Press release; staff report; and informational annex  (IMF Country Report No. 25/183). https://www.imf.org/en/-/media/files/publications/cr/2025/english/1irqea2025001-source-pdf.pdf

9. Iraqi News. (2026, August 17).  Economist: Dinar redenomination traps corrupt cash but faces obstacles . https://www.iraqinews.com/iraq/ziyad-al-hashemi-iraqi-dinar-redenomination-corruption-2026/

10. Market Histories. (2026, April 8).  The Zimbabwe hyperinflation: How a nation printed 100 trillion dollar notes (2007–2009) . https://www.markethistories.com/en/the-zimbabwe-hyperinflation-how-a-nation-printed-100-trillion-dollar-notes-2007-2009

11. Norafi. (2026, June 24).  Zimbabwe's hyperinflation: A modern collapse . https://norafi.ai/artha/guides/zimbabwe-hyperinflation

12. ORF Middle East. (2026, March 27).  Iran's currency redenomination: The zero-sum game . https://orfme.org/expert-speak/irans-currency-redenomination-the-zero-sum-game/

13. Prabawani, B. (2017). Money illusion post redenomination: An exploratory study.  Advanced Science Letters .

14. Prabawani, B., Rachim, A. C. C., & Anggraeni, A. I. (2018). Redenomination and money illusion: Consumer perspectives in Indonesia.  Journal of Economics, Business & Accountancy Ventura .

15. Rawabet Center. (2025, October).  Iraq is implementing comprehensive banking reforms in cooperation with the Central Bank and international consulting firms . https://rawabetcenter.com/en/?p=10919

16. Shafaq News. (2026, August).  Iraq revives debate over removing three zeros from the dinar . https://shafaq.com/en/Economy/Iraq-revives-debate-over-removing-three-zeros-from-the-dinar

 

17. Shull Solutions. (2025, September).  Introduction to Iraq 2025 . https://shullsolutions.com/introduction-to-iraq-2025/

18. Soman, D., Wertenbroch, K., & Chattopadhyay, A. (2002). Currency numerosity effects on the perceived value of transactions.  Advances in Consumer Research .

19. The National. (2026, August 18). Iraq considers deleting zeros from dinar as officials revive currency overhaul. https://www.thenationalnews.com/business/economy/2026/08/18/iraq-considers-deleting-zeros-from-dinar-as-officials-revive-currency-overhaul/

20. US First Exchange. (2025, November 5).  Iraq's Central Bank revisits its plan to remove zeros from the dinar . https://usfirstexchange.com/iraqs-central-bank-revisit

21. Washington Institute for Near East Policy. (2025, September 18). Facing fiscal pressures: Iraq's struggle for reform ahead of the 2025 election. https://www.washingtoninstitute.org/policy-analysis/facing-fiscal-pressures-iraqs-struggle-reform-ahead-2025-election

 

Comments