00:00:00
توقيت بغداد
2026سبتمبر13
الأحد
12 °C
بغداد، 12°
الرئيسية أخبار نشاطات الندوات إتصل بنا

ترجمة المعهد العراقي للحوار

إحالة الملف النووي الإيراني إلى مجلس الأمن.. ماذا تعني وما تداعياتها؟

أعاد قرار مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية إبلاغ مجلس الأمن بعدم امتثال إيران لالتزاماتها المتعلقة بالضمانات، الملف النووي الإيراني رسمياً من فيينا إلى نيويورك، للمرة الأولى منذ نحو عشرين عاماً.

وصدر القرار في 9 أيلول، بعدما حصل مشروع القرار الذي قدمته الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا على تأييد 23 دولة، مقابل معارضة الصين وروسيا والنيجر، وامتناع ثماني دول عن التصويت.

ولا يمتلك أي عضو في مجلس محافظي الوكالة حق النقض، ولذلك لم تتمكن موسكو وبكين من منع تمرير القرار، بخلاف الوضع داخل مجلس الأمن، حيث تستطيعان استخدام «الفيتو» لإيقاف أي قرار ملزم أو عقوبات جديدة.

ما المقصود بإحالة الملف؟

التوصيف القانوني الأدق هو أن مجلس محافظي الوكالة أبلغ مجلس الأمن والجمعية العامة للأمم المتحدة بعدم التزام إيران باتفاق الضمانات النووية.

ولا يؤدي هذا الإجراء تلقائياً إلى فرض عقوبات جديدة، كما أنه لا يمنح تفويضاً باستخدام القوة العسكرية، ولا ينهي دور الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مراقبة الأنشطة النووية الإيرانية والتحقق منها.

لكن القرار يمنح مجلس الأمن صلاحية مناقشة القضية باعتبارها مرتبطة بحفظ السلم والأمن الدوليين، ويتيح له اتخاذ إجراءات تبدأ ببيان يدعو إيران إلى التعاون، وقد تصل نظرياً إلى إصدار قرار ملزم أو فرض عقوبات بموجب الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة.

أسباب قرار الوكالة

جاء القرار امتداداً لموقف سابق اتخذه مجلس المحافظين في حزيران 2025، خلص إلى عدم امتثال إيران لالتزاماتها، بسبب عدم تقديمها إجابات وتفسيرات كافية بشأن مواد وأنشطة نووية لم يسبق الإعلان عنها.

وانضمت إلى هذه المخاوف لاحقاً مسألتان أساسيتان: عدم تمكن مفتشي الوكالة من الوصول إلى المنشآت النووية التي تعرضت لهجمات خلال الحرب، وعدم وضوح مصير مخزون إيران من اليورانيوم المخصب.

وترفض طهران هذه الاتهامات، وتصف القرار بأنه سياسي، وتقول إن تعثر عمليات التفتيش جاء نتيجة الحرب والهجمات الأميركية والإسرائيلية على منشآتها النووية.

أما الوكالة، فتؤكد أن التزامات إيران بموجب اتفاق الضمانات تظل قائمة بصرف النظر عن الظروف الأمنية أو العسكرية.

اختلاف الوضع عن عام 2006

سبق لمجلس محافظي الوكالة أن أبلغ مجلس الأمن بالملف الإيراني في شباط 2006. وبدأ المجلس آنذاك بإصدار بيان يطالب طهران بتنفيذ مطالب الوكالة، قبل اعتماد القرار 1696 في تموز من العام نفسه، الذي دعا إلى تعليق الأنشطة المرتبطة بتخصيب اليورانيوم.

وفي كانون الأول 2006، اعتمد مجلس الأمن القرار 1737، الذي فرض أول عقوبات دولية ملزمة على البرنامج النووي الإيراني. وأعقب ذلك القرار 1747 عام 2007، والقرار 1803 عام 2008، ثم القرار 1929 عام 2010، الذي وسع نطاق العقوبات المالية والعسكرية والنووية.

وكانت الصين وروسيا قد أيدتا جميع تلك القرارات إلى جانب الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا. أما اليوم، فقد تغيرت البيئة الدولية جذرياً؛ إذ تدهورت علاقة موسكو بالدول الغربية عقب حرب أوكرانيا، وتصاعد التنافس بين بكين وواشنطن، بينما أصبحت روسيا والصين أكثر دعماً للموقف الإيراني.

خلاف قانوني بشأن العقوبات السابقة

يزيد الخلاف على آلية «سناب باك» أو العودة التلقائية للعقوبات من تعقيد الموقف.

فقد فعّلت بريطانيا وفرنسا وألمانيا هذه الآلية في آب 2025، وترى الأمانة العامة للأمم المتحدة أن العقوبات السابقة التي أوقف العمل بها بموجب الاتفاق النووي والقرار 2231 عادت إلى التنفيذ اعتباراً من 27 أيلول 2025.

لكن إيران وروسيا والصين ترفض شرعية هذا الإجراء، وتعتقد أن القرار 2231 انتهى في تشرين الأول 2025، وأن على مجلس الأمن اعتبار الملف النووي الإيراني منتهياً.

وأدى هذا الانقسام إلى تعطيل عمل لجنة العقوبات المنشأة بموجب القرار 1737؛ إذ لم تعقد اللجنة اجتماعاً خلال عام كامل بسبب رفض الصين وروسيا الاعتراف بإعادة تفعيلها.

كما عارض البلدان تحديث قوائم العقوبات وتعيين أعضاء فريق الخبراء التابع للجنة، في وقت قدمت الولايات المتحدة مشروعاً لتمديد مهمة الفريق، على أن يُعرض للتصويت في 17 أيلول.

ماذا سيحدث في مجلس الأمن؟

يتوقع أن يعقد مجلس الأمن جلسة لمناقشة تقرير الوكالة، مع تركيز الولايات المتحدة والدول الأوروبية على عدم تعاون إيران مع المفتشين والغموض المحيط بمخزون اليورانيوم المخصب.

لكن الانتقال من عقد جلسة إلى اعتماد قرار ملزم يبدو أكثر صعوبة؛ إذ يحتاج أي مشروع قرار إلى تسعة أصوات على الأقل، مع عدم استخدام حق النقض من أي عضو دائم، وهم الولايات المتحدة وروسيا والصين وبريطانيا وفرنسا.

ولهذا، فإن احتمال تكرار سيناريو العقوبات المتدرجة التي فرضت بين عامي 2006 و2010 لا يبدو مرتفعاً في المرحلة الحالية.

ويمكن لروسيا أو الصين عرقلة أي مشروع يفرض عقوبات جديدة أو إجراءات إلزامية، لكنهما لا تستطيعان إلغاء تقرير الوكالة أو منع المجلس من مناقشة الملف الإيراني.

موقف روسيا والصين

أظهرت مواقف موسكو وبكين خلال الفترة الأخيرة تغيراً واضحاً مقارنة بما كان عليه الحال قبل الاتفاق النووي.

وفي نيسان 2026، استخدمت الدولتان حق النقض ضد مشروع قرار بشأن أمن الملاحة في مضيق هرمز، قدمته البحرين بالتنسيق مع دول عربية وأيدته الولايات المتحدة. ورغم حصول المشروع على دعم 11 عضواً، فإنه سقط بسبب الفيتو الروسي والصيني.

وبناءً على هذا المسار، يُرجح أن تعارضا أي محاولة غربية لفرض عقوبات جديدة وملزمة على إيران.

غير أن دعمهما لطهران لن يمنع ارتفاع الضغوط السياسية والدبلوماسية عليها، خصوصاً مع إعادة طرح برنامجها النووي على أعلى مستوى داخل الأمم المتحدة.

تداعيات سياسية أكثر من كونها فورية

ترفع إحالة الملف مستوى الضغط السياسي على إيران، وتتيح للولايات المتحدة والدول الأوروبية إعادة تدويل القضية النووية، لكنها لا تعني فرض عقوبات جديدة بصورة فورية.

وسيتوقف الأثر العملي على ما يستطيع مجلس الأمن الاتفاق عليه في ظل الانقسام العميق بين الدول الغربية من جهة، وروسيا والصين من جهة أخرى.

كما أن الملف النووي لم يعد القضية الوحيدة في العلاقة المتوترة بين طهران وواشنطن. فالحرب والأزمة البحرية والتوتر في مضيق هرمز أصبحت جميعها جزءاً من المشهد، ما يجعل من الصعب مناقشة القضية النووية بمعزل عن الصراع الإقليمي الأوسع.

خيارات إيران المحتملة

سبق لطهران أن حذرت من أنها سترد إذا أُحيل ملفها إلى مجلس الأمن، لكنها لم تحدد رسمياً طبيعة الخطوات التي قد تتخذها.

ومن بين الخيارات التي تداولها مسؤولون ومراقبون خلال الأشهر الماضية احتمال انسحاب إيران من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية.

ولا يعني الانسحاب من المعاهدة امتلاك سلاح نووي بصورة مباشرة، لكنه سيقلص القيود وآليات الرقابة الدولية، ويرفع مستوى القلق بشأن طبيعة البرنامج الإيراني، ويضيق مساحة الحلول الدبلوماسية.

مع ذلك، لا يُعرف ما إذا كانت القيادة الإيرانية ستختار هذا المسار، خصوصاً في ظل استمرار الحرب واحتمالات تجدد التصعيد العسكري.

مرحلة جديدة ومسار مختلف

تمثل عودة الملف الإيراني إلى مجلس الأمن تطوراً قانونياً وسياسياً مهماً، إلا أن مساره الحالي يختلف عن ظروف عام 2006.

فمجلس الأمن نفسه منقسم بشأن الوضع القانوني للعقوبات، كما أن روسيا والصين لم تعودا مستعدتين لمساندة القرارات الغربية ضد إيران بالطريقة التي اتبعتاها قبل عقدين.

لذلك، قد يقود المسار الجديد إلى تصعيد الضغوط الدولية على طهران، لكنه قد ينتهي أيضاً إلى جمود سياسي داخل مجلس الأمن إذا استخدمت موسكو أو بكين حق النقض.

وستحدد التطورات المقبلة ما إذا كانت إحالة الملف ستفتح جولة جديدة من العقوبات والمواجهة، أم تتحول إلى أزمة دبلوماسية طويلة تبقى معلقة بسبب الانقسام بين القوى الكبرى.

Comments