ترجمة المعهد العراقي للحوار
لماذا اتجه ناخبو أمريكا اللاتينية نحو اليمين؟
شهدت أمريكا اللاتينية خلال السنوات الأخيرة تحولاً سياسياً لافتاً، بعدما حققت الأحزاب والشخصيات اليمينية سلسلة من الانتصارات الانتخابية التي أعادت رسم خريطة السلطة في المنطقة. غير أن هذا الصعود لا يعكس بالضرورة تحولاً أيديولوجياً دائماً، بقدر ما يرتبط بتفاقم الجريمة، وتراجع الثقة بالحكومات، والضغوط الاقتصادية، ورغبة الناخبين في معاقبة القوى الحاكمة.
وبحسب تقرير أعدّه خراردو ليساردي ونشرته «بي بي سي موندو»، باتت 12 دولة في أمريكا اللاتينية تُحكم اليوم بواسطة رؤساء يصنفون ضمن يمين الوسط أو أبعد منه، بعدما كانت 11 دولة في مطلع عام 2023 تحت قيادة حكومات تنتمي إلى تيارات يسارية مختلفة.
ولا تزال البرازيل والمكسيك، وهما أكبر ديمقراطيتين في المنطقة من حيث عدد الناخبين، تحت حكم اليسار. إلا أن الانتخابات البرازيلية المرتقبة في تشرين الأول يُتوقع أن تشهد منافسة مباشرة بين الرئيس اليساري لويس إيناسيو لولا دا سيلفا والسناتور اليميني فلافيو بولسونارو.
ورغم الاختلافات بين القادة اليمينيين، سواء في درجة التشدد أو الميل إلى الشعبوية والسلطوية، فإن العديد منهم يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه جزءاً من عائلة سياسية واحدة، من خلال تبادل الدعم الانتخابي وتقليد نماذج مثيرة للجدل، أبرزها تجربة رئيس السلفادور نجيب بوكيلي في مكافحة العصابات.
الأمن في مقدمة اهتمامات الناخبين
تُعد المطالبة بإجراءات أكثر فاعلية لمواجهة الجريمة والعنف المنظم من أبرز أسباب صعود اليمين في أمريكا اللاتينية، بعدما أصبحت المخاوف الأمنية تتقدم على كثير من القضايا الاقتصادية والاجتماعية في اهتمامات المواطنين.
وفي دول مثل الإكوادور وبيرو، تصاعدت هذه المخاوف نتيجة الزيادة الكبيرة في جرائم العنف والابتزاز. أما في تشيلي، فقد أظهرت استطلاعات للرأي أن الخوف من الجريمة أصبح أكبر مما هو عليه لدى مواطني المكسيك وكولومبيا، على الرغم من أن معدلات القتل الفعلية في البلدين الأخيرين أعلى بكثير.
ويبدو أن مرشحي اليمين كانوا أكثر قدرة على استثمار هذا القلق، إذ وصل عدد منهم إلى الحكم بعد حملات انتخابية رفعت شعارات «استعادة النظام» واتباع سياسة «القبضة الحديدية». وشملت هذه الموجة كيكو فوجيموري في بيرو، وأبيلاردو دي لا إسبرييّا في كولومبيا، ودانيال نوبوا في الإكوادور، وخوسيه أنطونيو كاست في تشيلي، ونصري عصفورة في هندوراس.
ويبرز نجيب بوكيلي باعتباره أحد أشهر نماذج هذا التيار وأكثر قادته شعبية. فقد نجح في تقليص نفوذ العصابات في السلفادور من خلال فرض حالة الطوارئ وتنفيذ حملة أمنية واسعة، لكن تجربته أثارت في المقابل انتقادات تتعلق بتركيز السلطة وتعليق ضمانات دستورية ووقوع انتهاكات لحقوق الإنسان.
وترى رجيانه برسان، أستاذة العلاقات الدولية في جامعة ساو باولو الاتحادية والمتخصصة في شؤون المنطقة، أن أمريكا اللاتينية باتت تضم في معظمها حكومات يمينية تتعامل بتشدد كبير مع ملف الأمن العام.
وتربط برسان انتشار العنف باستمرار الفقر وعدم المساواة، معتبرة أن الحكومات اليسارية لم تنجح في معالجة هذه المشكلات البنيوية بصورة كاملة، وهو ما أتاح لليمين تقديم الحلول الأمنية السريعة بوصفها بديلاً عن السياسات الاجتماعية التي لم تحقق النتائج المنتظرة.
يمين جديد يختلف عن المحافظين التقليديين
لا يقتصر الاختلاف بين اليمين الجديد والمحافظين التقليديين على المواقف الأمنية. فقد أتقنت القوى الصاعدة استخدام شبكات التواصل الاجتماعي في الحملات الانتخابية وتوجيه الرأي العام، كما تبنت خطاباً أكثر حدة تجاه الخصوم، ولا سيما الأحزاب اليسارية.
وفي بعض الحالات، تجاوز هذا الخطاب حدود المنافسة السياسية المعتادة، وأصبح أكثر تشكيكاً في قواعد التعايش الديمقراطي والمؤسسات الليبرالية.
ويحمل هذا الأسلوب سمات واضحة من الخطاب السياسي للرئيس الأمريكي دونالد ترامب. وتسعى إدارته إلى توثيق علاقاتها مع الحكومات اليمينية في أمريكا اللاتينية، في إطار محاولة استعادة نفوذ واشنطن في المنطقة ومواجهة التوسع الاقتصادي والسياسي الصيني.
وتحذر برسان من أن تدخل الولايات المتحدة واستقطابها السياسي يمكن أن يزيدا الانقسام داخل دول المنطقة، ولا سيما في الانتخابات البرازيلية والتجاذبات مع المكسيك. كما تلفت إلى خطورة تحول بعض الحكومات المتشددة من سياسات أمنية صارمة إلى ممارسات تقطع تدريجياً مع الديمقراطية.
جائحة كورونا وانهيار الثقة بالمستقبل
تكشف نتائج استطلاع «لاتينوبارومترو» الإقليمي أن التحول نحو اليمين بدأ يتبلور منذ عام 2020؛ إذ أخذت نسبة متزايدة من السكان تصنف نفسها سنوياً ضمن الجانب اليميني من الطيف السياسي.
وتربط مديرة المؤسسة، مارتا لاغوس، هذا التحول بالتداعيات الاجتماعية والاقتصادية لجائحة كورونا، التي عمقت هشاشة الطبقات الفقيرة وأضعفت ثقتها بقدرتها على تحسين ظروفها.
وتقول لاغوس إن انهيار التوقعات الإيجابية بشأن المستقبل أدى إلى زيادة الطلب على الخطابات الشعبوية والحلول اليمينية المتشددة، بعدما أصبح جزء من الناخبين مقتنعاً بأن تغيير الأوضاع يحتاج إلى إجراءات راديكالية، لا إلى إصلاحات تدريجية.
وتدعم المؤشرات الاقتصادية هذا الاتجاه؛ فقد ارتفعت نسبة تأييد اقتصاد السوق في أمريكا اللاتينية من 58% عام 2020 إلى 66% عام 2024.
وقد يساعد ذلك على تفسير انتشار الدعوات إلى تقليص حجم الدولة وخفض الإنفاق العام. وكان الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي قد جسّد هذا التوجه خلال حملته الانتخابية عام 2023، عندما استخدم المنشار الكهربائي رمزاً لخطته الرامية إلى تقليص مؤسسات الدولة ونفقاتها.
التصويت عقاباً للحكومات
مع ذلك، لا تعني الانتصارات المتتالية لليمين أن شعوب أمريكا اللاتينية أصبحت يمينية بصورة نهائية. فالسلوك الانتخابي خلال العقد الماضي يظهر أن الناخبين يصوتون في أحيان كثيرة لمعاقبة الحكومات القائمة، بصرف النظر عن هويتها الأيديولوجية.
وخلال هذه المدة، حقق مرشحو المعارضة في انتخابات المنطقة انتصارات تقارب ضعف ما حققه مرشحو الأحزاب الحاكمة. وبذلك يمكن تفسير التحول الراهن باعتباره رفضاً لأداء الحكومات السابقة أكثر من كونه تبنياً مستقراً لأفكار اليمين.
وستتوقف قدرة الحكومات اليمينية على الاحتفاظ بتأييد الناخبين على نتائجها في ملفات الأمن والاقتصاد وفرص العمل والخدمات، وهي الملفات نفسها التي ساعدتها على الوصول إلى الحكم.
اختبارات صعبة أمام الحكومات اليمينية
يواجه الرئيس الأرجنتيني خافيير ميلي اختباراً اقتصادياً معقداً. فعلى الرغم من نجاح حكومته في خفض التضخم وفرض برنامج تقشف وإصلاح اقتصادي صارم، فإنها لا تزال مطالبة بتحويل المؤشرات الاقتصادية إلى تحسن ملموس في مستويات المعيشة والدخل وفرص العمل.
وفي الإكوادور، لم تؤدِّ سياسة القبضة الحديدية والتعبئة العسكرية التي اعتمدها الرئيس دانيال نوبوا إلى إنهاء العنف. فقد سجلت البلاد خلال عام 2025 أكثر من 9200 جريمة قتل، وفق الأرقام الرسمية، لتصبح من بين الدول التي تسجل معدلات مرتفعة عالمياً.
أما في تشيلي، فتراجعت شعبية الرئيس خوسيه أنطونيو كاست منذ توليه منصبه في آذار. وجاء ذلك في ظل ركود الاقتصاد، وارتفاع البطالة إلى 9.4% بين آذار وأيار، واستمرار الجريمة بوصفها إحدى أبرز مخاوف المواطنين.
وتشير هذه التجارب إلى أن الخطاب الأمني والوعود الاقتصادية قد يحققان مكاسب انتخابية سريعة، لكن الاحتفاظ بالسلطة يتطلب نتائج فعلية. فإذا أخفقت الحكومات اليمينية في خفض الجريمة وتحسين الأوضاع الاقتصادية، فقد تواجه موجة العقاب الانتخابي نفسها التي أطاحت بمنافسيها اليساريين.
هل يستمر المد اليميني؟
لا ترى مارتا لاغوس أن اليمين جاء ليحكم أمريكا اللاتينية بصورة دائمة. لكنها تشير في الوقت نفسه إلى أن فشله لا يعني بالضرورة عودة اليسار بصورته التقليدية، بل قد يؤدي إلى ظهور أشكال جديدة من الشعبوية تتبنى شعارات أكثر حدة.
وتقوم المقارنة الأساسية على أن اليسار فقد جزءاً من ثقة الناخبين بسبب عجزه عن القضاء على الفقر وعدم المساواة، بينما قد يفقد اليمين التأييد إذا لم ينجح في توفير الأمن والنظام وتحسين الأوضاع المعيشية.
وبذلك، يبدو أن مستقبل الخريطة السياسية في أمريكا اللاتينية لن يتحدد على أساس الصراع التقليدي بين اليمين واليسار وحده، وإنما وفق قدرة الحكومات على الوفاء بوعودها. فالناخب الذي منح اليمين فرصة بسبب خيبة أمله من اليسار قد يتخلى عنه سريعاً إذا لم يشعر بنتائج حقيقية.
ويكشف التحول الراهن، في المحصلة، عن أزمة ثقة أوسع في القوى والمؤسسات السياسية، وعن استعداد متزايد لدى المواطنين لتجربة خيارات أكثر تشدداً. لكن بقاء هذه الخيارات مرهون بقدرتها على معالجة المشكلات البنيوية، لا بمجرد استثمار الخوف من الجريمة والغضب من الحكومات السابقة.
المعهد العراقي للحوار الراعي اللوجستي لمعرض بغداد الدولي للكتاب يفتتح جناحه الخاص في المعرض
Official agreement between Iraqi Institute for Dialogue and the Iraqi Media Network to sponsor The Seventh Annual International Conference of “Baghdad Dialogue” 2025
المعهد العراقي للحوار يصدر "الحقيبة الدبلوماسية" للدكتور كرار البديري
دعوة استكتاب في العدد (79) من مجلة "حوار الفكر"
رئيس الوزراء: طريق التنمية سيجعل العراق قوة اقليمية سياسة واقتصادية
كلمة مدير المعهد العراقي للحوار في مؤتمر حوار بغداد الدولي السادس
استكتاب خاص بمؤتمر حوار بغداد الدولي السابع لكتابة أوراق بحثية
Comments